في التراث العربي حكاية رجل كان يسأل أخاه قائلاً: لو مت الآن... ما كنت تفعل بي؟!
- فأجابه أخوه: أكفِّنك، وأدفنك!
- قال له: إذن... فاكسني الساعة ما تكفنني به، وإذا مت فادفني عرياناً!!
هكذا يُعرّي الإنسان ذاته من الداخل... إن الإنسان لا يشقى من أجل لقمة العيش، بل من أجل «الراحة» التي تعقب الحصول على لقمة العيش، أو.... تحاشياً للهوان من أجلها، وتبقى في نفس الإنسان «بقية» من حلم، أو أمنية هي التي تدفعه وتحجبه، وهي التي ترفعه وتخفضه!
إن هذه «البقية» هي: قمر العمر الذي يهيج سكينة بحر النفس بالمد والجزر، كما قال جبران.
إنها ما يرتفع وينخفض من نفوسنا، وما يجذب ويُبهر، وما يُغرق ويطفو.. وهي ليست مشكلة «الموت» في حياة الإنسان، بل مشكلة البحث عن الراحة، وتوفيرها!!

وفي الجانب الآخر: نجد أن نسبة الأطباء تتزايد وعدد العيادات يتكاثر، والمستشفيات (الخاصة) بالذات: تتنافس على جلب المريض والمراجع لذبح جيبه.. وفي الوقت نفسه: تتزايد نسبة الحاصلين على شهادة الدكتوراه في كافة التخصصات، حتى التخصص في (الملوخية): فقد منحت إحدى الدارسات في مصر قبل أعوام: شهادة الدكتوراه في الملوخية!!
وفي مقابل النسبتين... هناك نسبة ثالثة تتزايد، وهي: نسبة الأمراض الخطيرة الفتاكة المستعصية، مثل: السرطان، و«الإيدز»، والكلى، والكبد... ونسبة الأمراض التي قد تصاحب الإنسان طوال عمره، مثل: أمراض الحساسية الجلدية، و... الحساسية النفسية!
إنهم -من هناك- يصدِّرون إلينا: الأمراض، والأدوية، والشهادات... ونحصد هنا: الحساسية و«الهرش»!! حتى بعض الأطباء أصابتهم عدوى الحساسية في تشخيصهم، وفي ثمن التشخيص!
وأذكر حكاية قرأتها حدثت في عام 1960 بالمكسيك: عندما وقعت الحكومة هنالك أمام لغز طبي علمي محير، واستدعت كبار الأطباء والعلماء وعرضت عليهم عدداً من المواطنين الأمريكيين والمكسيكيين.. لهم شكوى واحدة: إنهم يشعرون بالنار في أجسادهم، وجلودهم التهبت وازدادت احمراراً، وأنهم يصرخون ليلاً ونهاراً!
- وقالوا: إنها الحساسية اللعينة!
وتطور هذا المرض... ولكن علاجه لم يتطور، وزادوا كمية «الكورتيزون» في أكثر الأدوية التي تهدئ الحساسية ولا تقضي عليها، وزادت أجساد المرضى بالحساسية انتفاخاً من «الكورتيزون»!!
وهكذا... صارت تتزايد النسب، للأطباء، وللأمراض، وللعيادات، وللمستشفيات، وللأدوية... والنسبة الوحيدة التي تضاءلت، هي: الحياة!!

آخر الكلام :
«وما رثيتُ لدمع كنت أذرفه
ولا عطفت على جرح أعانيه»!!