المتأمل في المنتج السينمائي النسوي ـ حول العالم ـ يجد العديد من المخرجات قدمن تجارب جديرة بالإهتمام ، وتؤكد على حضور المرأة كذات فاعلة في المجال السينمائي، بعد أن ظلت لفترة طويلة مجرد مادة للسينما، تستخدم للإغراء والتشويق والإثارة. ومنذ السبعينيات أصبحت للمخرجات مكانة مهمة في الفن السابع، حيث برزت العديد من الأسماء سواء فيما يخص الأفلام الروائية أو الوثائقية، والتي استقبلها الجمهور والنقاد بإهتمام ، ما يفسر فوز العديد من الأعمال النسائية بأرقى الجوائز العالمية، ولهذا تميزت الأعمال التي قدمتها النساء بجرأتها الشديدة، حيث تناولت المشاكل السياسية والاجتماعية، كما تعالج قضايا الجنوسة بقدرة وجرأة حقيقية، كذلك فلحت السينما النسوية في التعامل مع لغة الجسد وثقافته دون وجل من لوم أو انتقاد. وهكذا برزت مجموعة من المخرجات مثل: آني فاردا، ونيلي كابلان، ونيكول غارسيا، وكلير دينيس، وكولين سيرو، وكاثرين بريي، وصوفيا كوبولا، بالإضافة إلى مخرجات في آسيا مثل سميرة مخملبوف، وفي العالم العربي إيناس الدغيدي، وربما أخيرا نادين لبكي ،وما يميز هذه الأسماء هو التنوع واختلاف زوايا الرؤية وتقنيات العمل، مما جعل منها قوة دينامية ساعدت على إضافة الكثير إلى عالم السينما.
وقد حاولت السينما النسائية أن تقدم صورة مغايرة للصورة التي صدرها الرجل منذ سنوات عديدة، حين قدمتها هوليود كموضوع أو مفعول به، ولم تقدمها يوما كذات فاعلة ، ذات رأي وفكر. فهي إما كائن متسلط، أو الزوجة الخائنة،أو حتى المرأة المستكينة التي تعيش دوما في ظل الرجل، أو وهي الصورة الأشهر والتي مثلتها مارلين مونورو طوال الوقت في صورة المرأة المغرية التي تمثل الشهوة والإثارة ، وهنا تقع المرأة فريسة لفكرة التشيؤ، أي تصير شيئا ومادة للإثارة ، وهو ما نلمسه من صورة العديد من الممثلات مثل: بريجيت باردو، وصوفيا لورين، وكلوديا كاردينالي، وكاثرين دونوف، وأورنيلا موتي، اللواتي قدمن كلهن في صورة الحبيبة المأساوية، والبورجوازية المتدهورة، أو الحالمة، أو ضحية النزعة الذكورية، أو تم تصويرهن في صورة تتسم بالدونية والشر غير المبرر. مما دفع العديد من المخرجات الى التعبير عن رغبتهن في تصوير واقعهن بصورة يمكن لهن تصحيح تلك الصورة النمطية وأن يكشفن عن العالم الحقيقي لها والذي ظل مهمشاً لسنوات عديدة.
أصبحت السينما إذن وسيلة لكشف غير المتطرق له ، و اتسمت أفلام فترة الستينات وما تلاها في أفلام السبعينات بنظر نضالية تعمل على قول اللامعقول والمُستحى منه في عالم النساء كما نجد في أفلام أني فاردا، ونيلي كابلان، ومارغريت ديراس.
يتفق الجميع على اعتبار (أليس غاي بلاشي) أول مخرجة في تاريخ السينما، وقد أنجزت أليس غاي مئات الأفلام ، أما لقب ثاني مخرجة فتتصارع عليه السويدية أنا هوفمان أدرغن والأمريكية لويس ويبير التي أنجزت أكثر من 200 فيلم، كان أبرزها « أين أولادي والذي يتطرق لمشكلة الأطفال اللقطاء، وقد تناولت ويبير بعد ذلك العديد من المواضيع المهمة مثل: الرشوة السياسية والتطرف الديني والوصولية. وحسب الإحصائيات المتوفرة ، فإن فترة السينما الصامتة عرفت وجود حوالى 63 مخرجة استطاعت بعضهن إنجاز أفلام رعاة البقر مثل روث آن بالدين. أما في عهد السينما الناطقة فقد برزت العديد من المخرجات مثل: جيرمين ديلاك التي أخرجت 25 فيلما أثارت العديد من الانتقادات، إلى غيرها من المخرجات مثل إيرما فيب وجين روك في فرنسا، أما في ألمانيا ، فنجد مخرجات ارتبطن بالحملة الدعائية مثل ثيا فون اغربو وليني ريفنستال التي كانت المصورة الخاصة لهيتلر، ولوث رينيغير و ساغان شليسنغير، بينما منحت إيطاليا مخرجة واحدة هي إلفيرا نوتاري وقد عرفت باقي البلدان الأوربية وجود العديد من المخرجات مثل في هولندا وبولونيا وإنجلترا.
ويذكر تاريخ السينما أن المرأة حاولت دخول مجال الإخراج السينمائي، ومن الفنانات المصريات اللاتي حاولن دخول هذا المجال هن : عزيزة أمير وفاطمة رشدي وبهيجة حافظ وأمينة محمد ، ولكن لم يتحقق النجاح لهذه التجارب ، بل اعتبرت نوعا من المغامرات غير المدروسة .
ومع مجيء السبعينات من القرن الماضي بدأت شركات الإنتاج تتحمس لتجربة المرأة في إخراج الأفلام الروائية الطويلة ، وبدأ النقاد والمراقبون يسجلون ملاحظاتهم على هذا التيار الذي تدفق ، وصار الجميع في حالة فضول لرؤية ما يمكن أن تقدمه المرأة في هذا المجال عندما تتحول إلى قائدة ومخرجة للعمل الفني . خصوصا أن الكثيرات ممن دخلن مجال الإنتاج السينمائي كان لهن تجارب سابقة في فن كتابة الرواية مثل المخرجة الفرنسية « مارجريت دوراسي» التي تعتبر من أعلام الرواية الجديدة في فرنسا والتي كتبت سيناريو فيلم « هيروشيما حبيبي « ، قامت تلك الروائية بكتابة أفلامها وإخراجها .
كذلك فعلت « فرانسوا ساجان» التي حولت الكثير من قصصها إلى أفلام سينمائية ، وقد أخرجت أول فيلم لها: « النبات الأزرق» عام 1977
كذلك قدمت الممثلة الفرنسية «جان مورو» أول تجربة للإخراج السينمائي لها بفيلم : «الضوء» وهو إنتاج عام 1976.
كذلك قدمت المصورة أنيسي فاردا «تجربتها الإخراجية عام 1954، ونجحت في إخراج أفلام تحلل العلاقة بين الرجل والمرأة بعمق ووعي.. هناك تجارب ناجحة لمخرجات نسويات في فرنسا أمثال : «نادين ترينتان» و«شارلوت دوبريل» و «أريان مونشكين».
ويذكر تاريخ السينما الأمريكية تجربة المخرجة « دوروثي أرزنر» والتي قدمت أول أفلامها عام 1930 بكاميرا 16 ميلّي وهو بعنوان : «امرأة أي رجل» ، ثم فيلم : « العروس ترتدي الأحمر» الذي لعبت بطولته « جوان كرافورد» ، وفي عام 1940 قدمت فيلما بعنوان «أرقصي يا فتاة .. ارقصي» وهو من بطولة مورين أوهارا، ثم جاءت المخرجة الشابة « سوزان سيد يلمان» وفيلمها «بقايا الأشياء» والذي عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان عام 1982 . .
أما في ألمانيا ، فنجد المخرجة «مرجريت فون تروتا» ، وفي السينما السويسرية المخرجة «تولا روي» ، وفي السينما السوفيتية «إيرينا بوبلافسكايا» .
وفي السويد نجد «ماي زيترلنج» و«ماريان أهرن» ، وفي النرويج «إنجا براين»، وفي إيطاليا «لينا ويرتمولر» و«ليليان كافاني»، وفي المجر «مارتا ميساروش».