في طريقي للحوار مع الفنان بكر شيخون كنت أتأمل في صفات تلازمه طوال معرفتي به، مساحة هائلة من الزهد فيما يتهافت اليه الكثيرون، ومساحة اخرى من عشق للتأمل يضرب في الاعماق، وشغف لا يتوقف عن التساؤل والتجريب، لتأتي الاجابات من ارض صلبة واقدام، راسخة.
حين بدأت حواري المطول معه، والذي امتد لفترات زمنية كانت جوانب اخرى من شخصيته تتكشف لي بوضوح وتحمل قدرا كبيرا من اثارة الدهشة، ربما لا تقل عن قدرة اعماله الغريبة عن ادهاشنا، وحين انهيت اللقاء تيقنت بأن ثمة مساحات جديدة وافكارا اخرى مفاجئة يخطط لها، قد تتأخر قليلا - كالعادة، لكنها حتماً ستصل تباعا وبانتظام - لا نعرف ان كان محسوبا - ... مع شيخون المتفرد فنيا وانسانيا يأتي هذا الحوار الذي لا يخلو من اسئلة ساخنة هي بعض مما يدور في الساحة من تعليقات او تساؤلات حول اعماله الاخيرة.
دعنا نبدأ مباشرة بالسؤال عن تجاربك الاخيرة ماذا تعني لك هذه الاعمال الخارجة عن المألوف؟
- اود ان اؤكد اولا ما سبق ان قلته في اكثر من مناسبة الخروج عن المألوف ليس غاية بحد ذاتها وانما هو وسيلة للخروج من المأزق، وما اعنيه هو المأزق الذي يعيشه الفن اليوم ..وانا بذلك انما اضم صوتي الى القائلين بأن ادوات الفن وقيمه التشكيلية المعروفة لم تعد تكفي لتلبية حاجاتنا الفكرية والوجدانية ولا بد من البحث عن طرق جديدة للتعبير .. هذه الفكرة بالنسبة لي كانت بمثابة لقية ثمينة فتحت امامي افاقاً غير متوقعة من الامكانات العملية واسهمت في تعزيز قناعاتي النظرية المتعلقة بالغايات ومعايير القيم وجدوى الفن وقضايا الالتزام والجدل حول رسالة الفن والفنان وما الى ذلك.
الى اي مذهب فني ينتمي هذا الاتجاه المثير للجدل؟
- الى تيار يحمل اسماء عدة (الفن الجديد - المفاهيمية - فن ما بعد الحداثة .. فن ما بعد الحرب .. الخ ..) .. وانا شخصياً افضل مصطلح «ما بعد اللوحة» - الاقل التباساً، مع ملاحظة ان هذه المصطلحات لها معنى مشترك يشير الى قائمة من التجارب المتمايزة، من قبيل فن الارض او البيئة، التجهيز في الفراغ، الفن الفقير، الدادائية الجديدة، التقليلة او فن الحد الادنى، وفن الحدث .. الخ ..
«ما بعد اللوحة» ! .. وكأنك تشير الى ان اللوحة التشكيلية لم تعد موجودة الا يوحي هذا المصطلح بنزع الاهمية عن فن الرسم!؟
- لا اعني هذا على وجه التعميم .. والمسألة هي وجهة نظر متعلقة بقناعات شخصية، وهو حق يقابله حق الآخرين في تعاملهم المعتاد مع اللوحة المسندية المألوفة او المجسم المتعارف عليه، هذا مع التسليم بأن طرائق التعبير ستظل موجودة وستجد من يعشقها.
حدثنا عن المتلقي، خصوصا الانسان البسيط الذي يقف حائرا امام اعمالك، وماذا عن الانطباع السائد بشأنها في الساحة التشكلية؟
- الشعور الاولي بالدهشة او الاستغراب هنا امر طبيعي، بل هو جزء اصيل وضروري من اللعبة باعتباره مدخلا قد يفضي الى «الرسالة»، وهذه، يمكن استشفافها او تخمينها ما دام شروط التراسل متوافرة عند كلا الطرفين (المتلقي من جهة، والمنتج الفني- موضوع التلقي من جهة اخرى) .. وانا ازعم توافر هذا الشروط وبالتالي ما من عوائق جديدة امام امكانية التواصل مع اعمالي حتى لبسطاء الناس، فالامر لا يتطلب استحضار اي معرفة انعكاسية عن الفن وليس بحاجة لا الى نظريات جمالية ولا حتى الى ما يسمى بالخبرة البصرية، اما عن «الساحة» فأنا اشعر بالامتنان للعديد من الزملاء والاصدقاء من الفنانين والمثقفين الذين يستقبلون اعمالي عادة بالترحاب، وهناك الصامتون - لسبب او لآخر وهناك المتحفظون، وهذا من حقهم.
كنت تتحدث باعتزاز عن ان المتلقي البسيط لا يجد مشكلة في التفاهم مع اعمالك، بينما يتبني النقد الحديث وجهة نظر اخرى تميل الى ترجيح كفة الغموض في الفن والابداع عموماً، افلا تقلل تلك الصفة التي تعتز بها، من اهمية اعمالك.
- علينا ان نتفق اولا على التمييز بين الغموض والابهام، وايضا بين البساطة والسطحية، ثم انه ليس لاي وجهة نظر في الفن ان تدعي لنفسها حصراً حق امتلاك الحقيقة، خصوصاً ان ثمة خلطا مربكاً ومبالغات فيما يقال حول النص المفتوح او المغلق والاعلاء من شأن الغموض وتعدد الدلالات وما الى ذلك .. لا اقول ان هذه كلها ادعاءات باطلة، لكن لا يجوز تعميم الحكم السلبي على اي عمل فني او التقليل من اهميته لمجرد انه يبدي انفتاحاً على سائر الناس، علماً بأن انفتاحه انما يجري بشروطه الخاصة وليس ارضاء لاحد.
وماذا عن الرأي السائد الذي يفترض «جدلا» سرعة زوال اثر العمل بقدر سهولة تناوله، اي «موت النص» - بلغت اهل الادب؟
- اشدد هنا على بطلان التعميم، فالنص «اذا كان محققاً للشروط» لا يموت، ولنا ان نفترض - جدلاً ايضاً - بأن النص الجيد انما يمنح نفحة من روحه لقارئه، الذي قد يكف عن التأمل فيه بعد ان يدرك مقاصده وهذا لا يعني بالضرورة موت النص او زوال اثره، وهناك شواهد كثيرة تؤكد ان النص «الملائم» يعلق بالذاكرة ويظل حاضراً في عقل ووجدان قارئه حتى بعد ان يفرغ منه ثم انه اي النص سيتلقاه قارئ أخر كنص جديد وسيمنحه ذات النفحة .. وهكذا يسري الحكم على كل عمل جيد دون النظر فيما اذا كان متمنعاً صعب المنال، او قابلاً للتأويل، او مطواعاً يسهل تلقيه.
الفن المفاهيمي يسمونه احيانا «المفاهيمية المطلقة» وذلك للاشارة الى ان المفهوم الذي ينطوي عليه العمل هو مفهوم مطلق ولا علاقة له بما يجري على الارض فبماذا تعلق؟
- ان استخدمت هذا المصطلح فأنا اكتفي بجزئه الاول واتجنب الثانية ذلك لان «المفهوم» عندي هو مفهوم اري متواضع ولا يدعي الانتماء الى اي مفاهيم ماورائية متعالية.
لكن الفلسفة تشدد على ان حدود الجمال هي ابعد ما تصل اليه العين الا تتفق مع هذا الرأي؟
اذا نحينا جانباً الحذلقات الرومانتية المزمنة فلا يختلف اثنان في هذا الامر، اذ ما من احد يتجاهل الاثر العميق الذي تركته تأملات الفلسفة المثالية في مجمل الفكر الفني .. غير ان الانجرار التلقائي غير المشروط وراء المفاهيم المتعالية’ من قبيل المطلق او الروح او الجوهر اظنه ما زال يعمل على تعطيل جانب مهم من وعي الفنان فيكف - من حيث يدري او لا يدري - عن رؤية زوايا اخرى مهمة من الكينونة الانسانية، وانا اميل الى الاعتقاد بأن هذا الارث الحداثي المتمثل في مبدأ الانعزال عن الحياة ما زال يمارس سطوته على الذائقة البصرية ويحول دون ان يخطر ببال الفنان ان بوسعه بل ان عليه ان يضرب بقدميه في تضاريس الارض وان يغرس اصابعه العشرة في اوحالها.
سأبقى معك في سياق نفس السؤال حول الغايات العليا للفن، او السعي - كما يقال - الى حدود الكمال والارتباط بالسماء وما الى ذلك، هذه المبادئ التي تشكل حجر الاساس في النظريات الجمالية، الا تعني بأن على الفنان الارتقاء بأفكاره الى المشاغل الروحية بدلا عن الانشغال بما يجر ي على الارض؟
يا اخي الكريم، دعني اذكرك بشيء، نحن نعيش المشاغل الروحية على مدار اليوم وساعة بساعة’ واشير هنا تحديدا الى طريقنا المعتاد، ذاك الذي نسلكه الى السماء خمس مرات في اليوم الواحد عدا الدروب الفرعية الاخرى وهي كثيرة ثم اضف اليها ان شئت، ومن مجالنا الخاص، تلك المعطيات الجمالية التي تنطوي بحق على مضامين روحانية متصلة بثقافتنا والتي تركناها جانبا لحساب استحقاقات اخرى .. كل هذه الثروات الروحية، اذا لم تفلح في ان تربطنا بالسماء فلن تنفعنا اي مسالك غيبية اخرى ندعيها او نستجليها من اي مكان آخر .. ثم دعنا نختبر جدياً هذا السؤال: هل حقا يسعى الفنان - من خلال مقارباته الجمالية - الى مقاربة «الكمال»أو انه ينشد «السمو» ؟! .. ذاك هو السؤال.
«آلة الفوشار» «السلم المقلوب»الكرسي والبيضة» وغيرها من اعمالك الاخيرة، من اين تستوحي هذه الافكار؟
- كما ألمحت في اجابة سابقة .. اصطاد الافكار من صميم الارض، وهي مليئة بالمعاني التي تجري في ضمائر الناس جريان الامور الاعتيادية، ولانها هكذا «مبتذلة» في اصلها، او ملقاة على قارعة الطريق» بحسب شيخنا «الجاحظ» فإن المعاني لا تتمتع في حالتها الاولى تلك بأي مصداقية جمالية الى ان يخرجها الفنان من هناك ويدفع بها الى خانة الفن، بمعنى انه يتوجب على الفنان ان يجد تركيبة مناسبة تجمع بين شرط «الشكل» المنتمي الى طبيعة الفن،وحضور «الفكرة» القادمة من خارج نطاق الفن وساعة يحدث هذا الاتحاد، الذي اصفه بالنادر، بين المعنى والمبني يمكننا ان نقول بحق، ان المعاني قد غادرت قارعة الطريق.
حين بدأت حواري المطول معه، والذي امتد لفترات زمنية كانت جوانب اخرى من شخصيته تتكشف لي بوضوح وتحمل قدرا كبيرا من اثارة الدهشة، ربما لا تقل عن قدرة اعماله الغريبة عن ادهاشنا، وحين انهيت اللقاء تيقنت بأن ثمة مساحات جديدة وافكارا اخرى مفاجئة يخطط لها، قد تتأخر قليلا - كالعادة، لكنها حتماً ستصل تباعا وبانتظام - لا نعرف ان كان محسوبا - ... مع شيخون المتفرد فنيا وانسانيا يأتي هذا الحوار الذي لا يخلو من اسئلة ساخنة هي بعض مما يدور في الساحة من تعليقات او تساؤلات حول اعماله الاخيرة.
دعنا نبدأ مباشرة بالسؤال عن تجاربك الاخيرة ماذا تعني لك هذه الاعمال الخارجة عن المألوف؟
- اود ان اؤكد اولا ما سبق ان قلته في اكثر من مناسبة الخروج عن المألوف ليس غاية بحد ذاتها وانما هو وسيلة للخروج من المأزق، وما اعنيه هو المأزق الذي يعيشه الفن اليوم ..وانا بذلك انما اضم صوتي الى القائلين بأن ادوات الفن وقيمه التشكيلية المعروفة لم تعد تكفي لتلبية حاجاتنا الفكرية والوجدانية ولا بد من البحث عن طرق جديدة للتعبير .. هذه الفكرة بالنسبة لي كانت بمثابة لقية ثمينة فتحت امامي افاقاً غير متوقعة من الامكانات العملية واسهمت في تعزيز قناعاتي النظرية المتعلقة بالغايات ومعايير القيم وجدوى الفن وقضايا الالتزام والجدل حول رسالة الفن والفنان وما الى ذلك.
الى اي مذهب فني ينتمي هذا الاتجاه المثير للجدل؟
- الى تيار يحمل اسماء عدة (الفن الجديد - المفاهيمية - فن ما بعد الحداثة .. فن ما بعد الحرب .. الخ ..) .. وانا شخصياً افضل مصطلح «ما بعد اللوحة» - الاقل التباساً، مع ملاحظة ان هذه المصطلحات لها معنى مشترك يشير الى قائمة من التجارب المتمايزة، من قبيل فن الارض او البيئة، التجهيز في الفراغ، الفن الفقير، الدادائية الجديدة، التقليلة او فن الحد الادنى، وفن الحدث .. الخ ..
«ما بعد اللوحة» ! .. وكأنك تشير الى ان اللوحة التشكيلية لم تعد موجودة الا يوحي هذا المصطلح بنزع الاهمية عن فن الرسم!؟
- لا اعني هذا على وجه التعميم .. والمسألة هي وجهة نظر متعلقة بقناعات شخصية، وهو حق يقابله حق الآخرين في تعاملهم المعتاد مع اللوحة المسندية المألوفة او المجسم المتعارف عليه، هذا مع التسليم بأن طرائق التعبير ستظل موجودة وستجد من يعشقها.
حدثنا عن المتلقي، خصوصا الانسان البسيط الذي يقف حائرا امام اعمالك، وماذا عن الانطباع السائد بشأنها في الساحة التشكلية؟
- الشعور الاولي بالدهشة او الاستغراب هنا امر طبيعي، بل هو جزء اصيل وضروري من اللعبة باعتباره مدخلا قد يفضي الى «الرسالة»، وهذه، يمكن استشفافها او تخمينها ما دام شروط التراسل متوافرة عند كلا الطرفين (المتلقي من جهة، والمنتج الفني- موضوع التلقي من جهة اخرى) .. وانا ازعم توافر هذا الشروط وبالتالي ما من عوائق جديدة امام امكانية التواصل مع اعمالي حتى لبسطاء الناس، فالامر لا يتطلب استحضار اي معرفة انعكاسية عن الفن وليس بحاجة لا الى نظريات جمالية ولا حتى الى ما يسمى بالخبرة البصرية، اما عن «الساحة» فأنا اشعر بالامتنان للعديد من الزملاء والاصدقاء من الفنانين والمثقفين الذين يستقبلون اعمالي عادة بالترحاب، وهناك الصامتون - لسبب او لآخر وهناك المتحفظون، وهذا من حقهم.
كنت تتحدث باعتزاز عن ان المتلقي البسيط لا يجد مشكلة في التفاهم مع اعمالك، بينما يتبني النقد الحديث وجهة نظر اخرى تميل الى ترجيح كفة الغموض في الفن والابداع عموماً، افلا تقلل تلك الصفة التي تعتز بها، من اهمية اعمالك.
- علينا ان نتفق اولا على التمييز بين الغموض والابهام، وايضا بين البساطة والسطحية، ثم انه ليس لاي وجهة نظر في الفن ان تدعي لنفسها حصراً حق امتلاك الحقيقة، خصوصاً ان ثمة خلطا مربكاً ومبالغات فيما يقال حول النص المفتوح او المغلق والاعلاء من شأن الغموض وتعدد الدلالات وما الى ذلك .. لا اقول ان هذه كلها ادعاءات باطلة، لكن لا يجوز تعميم الحكم السلبي على اي عمل فني او التقليل من اهميته لمجرد انه يبدي انفتاحاً على سائر الناس، علماً بأن انفتاحه انما يجري بشروطه الخاصة وليس ارضاء لاحد.
وماذا عن الرأي السائد الذي يفترض «جدلا» سرعة زوال اثر العمل بقدر سهولة تناوله، اي «موت النص» - بلغت اهل الادب؟
- اشدد هنا على بطلان التعميم، فالنص «اذا كان محققاً للشروط» لا يموت، ولنا ان نفترض - جدلاً ايضاً - بأن النص الجيد انما يمنح نفحة من روحه لقارئه، الذي قد يكف عن التأمل فيه بعد ان يدرك مقاصده وهذا لا يعني بالضرورة موت النص او زوال اثره، وهناك شواهد كثيرة تؤكد ان النص «الملائم» يعلق بالذاكرة ويظل حاضراً في عقل ووجدان قارئه حتى بعد ان يفرغ منه ثم انه اي النص سيتلقاه قارئ أخر كنص جديد وسيمنحه ذات النفحة .. وهكذا يسري الحكم على كل عمل جيد دون النظر فيما اذا كان متمنعاً صعب المنال، او قابلاً للتأويل، او مطواعاً يسهل تلقيه.
الفن المفاهيمي يسمونه احيانا «المفاهيمية المطلقة» وذلك للاشارة الى ان المفهوم الذي ينطوي عليه العمل هو مفهوم مطلق ولا علاقة له بما يجري على الارض فبماذا تعلق؟
- ان استخدمت هذا المصطلح فأنا اكتفي بجزئه الاول واتجنب الثانية ذلك لان «المفهوم» عندي هو مفهوم اري متواضع ولا يدعي الانتماء الى اي مفاهيم ماورائية متعالية.
لكن الفلسفة تشدد على ان حدود الجمال هي ابعد ما تصل اليه العين الا تتفق مع هذا الرأي؟
اذا نحينا جانباً الحذلقات الرومانتية المزمنة فلا يختلف اثنان في هذا الامر، اذ ما من احد يتجاهل الاثر العميق الذي تركته تأملات الفلسفة المثالية في مجمل الفكر الفني .. غير ان الانجرار التلقائي غير المشروط وراء المفاهيم المتعالية’ من قبيل المطلق او الروح او الجوهر اظنه ما زال يعمل على تعطيل جانب مهم من وعي الفنان فيكف - من حيث يدري او لا يدري - عن رؤية زوايا اخرى مهمة من الكينونة الانسانية، وانا اميل الى الاعتقاد بأن هذا الارث الحداثي المتمثل في مبدأ الانعزال عن الحياة ما زال يمارس سطوته على الذائقة البصرية ويحول دون ان يخطر ببال الفنان ان بوسعه بل ان عليه ان يضرب بقدميه في تضاريس الارض وان يغرس اصابعه العشرة في اوحالها.
سأبقى معك في سياق نفس السؤال حول الغايات العليا للفن، او السعي - كما يقال - الى حدود الكمال والارتباط بالسماء وما الى ذلك، هذه المبادئ التي تشكل حجر الاساس في النظريات الجمالية، الا تعني بأن على الفنان الارتقاء بأفكاره الى المشاغل الروحية بدلا عن الانشغال بما يجر ي على الارض؟
يا اخي الكريم، دعني اذكرك بشيء، نحن نعيش المشاغل الروحية على مدار اليوم وساعة بساعة’ واشير هنا تحديدا الى طريقنا المعتاد، ذاك الذي نسلكه الى السماء خمس مرات في اليوم الواحد عدا الدروب الفرعية الاخرى وهي كثيرة ثم اضف اليها ان شئت، ومن مجالنا الخاص، تلك المعطيات الجمالية التي تنطوي بحق على مضامين روحانية متصلة بثقافتنا والتي تركناها جانبا لحساب استحقاقات اخرى .. كل هذه الثروات الروحية، اذا لم تفلح في ان تربطنا بالسماء فلن تنفعنا اي مسالك غيبية اخرى ندعيها او نستجليها من اي مكان آخر .. ثم دعنا نختبر جدياً هذا السؤال: هل حقا يسعى الفنان - من خلال مقارباته الجمالية - الى مقاربة «الكمال»أو انه ينشد «السمو» ؟! .. ذاك هو السؤال.
«آلة الفوشار» «السلم المقلوب»الكرسي والبيضة» وغيرها من اعمالك الاخيرة، من اين تستوحي هذه الافكار؟
- كما ألمحت في اجابة سابقة .. اصطاد الافكار من صميم الارض، وهي مليئة بالمعاني التي تجري في ضمائر الناس جريان الامور الاعتيادية، ولانها هكذا «مبتذلة» في اصلها، او ملقاة على قارعة الطريق» بحسب شيخنا «الجاحظ» فإن المعاني لا تتمتع في حالتها الاولى تلك بأي مصداقية جمالية الى ان يخرجها الفنان من هناك ويدفع بها الى خانة الفن، بمعنى انه يتوجب على الفنان ان يجد تركيبة مناسبة تجمع بين شرط «الشكل» المنتمي الى طبيعة الفن،وحضور «الفكرة» القادمة من خارج نطاق الفن وساعة يحدث هذا الاتحاد، الذي اصفه بالنادر، بين المعنى والمبني يمكننا ان نقول بحق، ان المعاني قد غادرت قارعة الطريق.