ان الإنسان باعتباره منتجاً ثقافياً او احد مخرجات البنية الثقافية السائدة، يكون بصورة او باخرى منتجاً للثقافة. لكن كيف؟
لو نظرنا الى أي تشكيلة اجتماعية لوجدنا انها تنقسم- تراتبياً- الى اقسام عدة، ففي القاعدة يكون الرأي العام، والافراد، وهناك المؤسسات التي تباشر مطالبهم وحاجاتهم، وفي القمة ثمة قادة الرأي من حكام ومشرعين وعلماء ووجهاء. فقادة الرأي يسهمون بدور كبير في انتاج الثقافة، سواء من خلال اقتراح آليات وطرائق جديدة للتفكير والسلوك والبناء، او من خلال استعادة المنجز الثقافي او الفائض منه، او تكريس السائد والمحافظة عليه.
والتجديد في الفكر والعمل يكون، في الغالب، سطحياً ولا يلامس البنى العميقة المؤثرة والجذرية، وهو، بكل حال، غير مرغوب فيه بالنسبة للبنى الثقافية المغلقة، لانه سيفتح الباب واسعاً امام ما اسميناه في المقال السابق بـ"الانحراف الثقافي" الذي يشكل تهديداً وخطراً على الثقافة والمجتمع.
فكثير من الثقافات المغلقة بدأت تنفتح على العالم وعلى الآخرين وعلى التاريخ الحي والمتغير من طريق هذا التجديد السطحي.
وقد استخلص قادة الرأي في الثقافات المغلقة دروساً وعبراً من التاريخ الذي غفل عن هذه "الخدعة الفكرية والثقافية" التي قام بها "المنحرفون فكرياً وثقافياً"!، فلجأت الثقافات الاشد انغلاقاً الى قطع السبيل امام أي نوع من التجديد حتى ولو كان سطحياً وقشورياً، لادراكهم خطورة هذا العمل، وذلك من خلال الآليتين اللتين ذكرناهما قبل قليل، واقصد بهما: تكريس السائد، واستعادة الموروث الثقافي المندثر ليكون دريئة اوسداً منيعاً ضد أي نوع من التجديد، فما بالك بـ"التغيير الثقافي الجذري" الذي لا ينهض به الا اولئك المنحرفون؟!
ان الانسان المنتج للثقافة يكون ضمن هذا الاطار: اطار المحافظة او الاحياء والاستعادة، منتجاً ثقافياً منفعلاً وليس فاعلاً كما يتوهم، بل انه اكثر خضوعاً للبنى الثقافية المغلقة من بقية الافراد. والنموذج المثالي، بينما نجد ان بقية المنتجات الثقافية، أي بقية الناس اكثر تحرراً منه في الممارسة على أقل تقدير.
ان الانسان في هذه الحالة التي يكون فيها منتجاً لا ينتج سوى ذاته، وسوى النماذج والقوالب التي صيغ على شاكلتها.. او التي تمثلها في وقت النشأة المبكرة وحافظ عليها في المراحل المتأخرة من حياته. وهذا لا ينطبق على الثقافات المغلقة فحسب، بل وعلى الثقافات المفتوحة، ولكن الفرق يكمن في ان الاخيرة تسمح بالابداع الثقافي فكرياً وادبياً وقانونياً، وتمنح فرصة للنقد والمساءلة والحوار، بل وتشجع على ذلك. فهي تسير قدماً فاتحة صدرها الرحب لكل جديد ومختلف.
والبنية الثقافية المغلقة، اذا جاز لنا ان نتصورها رياضياً، ذات شكل دائري يستعيد مكوناته ومقوماته ونماذجه بشكل مكرر ومطابق، بينما البنية الثقافية المفتوحة فهي ذات شكل خطي متصاعد حيث تضيف الى مكوناتها ما تنفتح عليه اذا ثبتت جدواه وثمرته.. وهذه الاضافات او المتغيرات قد تتراكم وتخلق مجالاً حيوياً يستطيع فيه العقل الانساني ان يمارس التفكير بحرية اكثر بعيداً عن الضغوط والاكراهات التي تمارسها الطبيعة الحتمية للبنية الثقافية.
من ثم يكون الانفتاح بنيوياً عميقاً، تتغير معه اصول المعرفة ومصادر التقييم ومناهج العلم وطرائق التفكير وبواعث السلوك، فيحدث "الانحراف" بشكل جذري، وهو ليس انحرافاً بقدر ما هو تغيير وتقدم نحو آفاق جديدة واتخاذ مسار مغاير للمسارات السابقة عليه.
معيار المفاضلة الثقافي
تحدثنا سابقاً عن البنية المغلقة "الدائرية" والبنية المفتوحة "الخطية المتصاعدة"، وذكرنا ان خاصية الانفتاح هي التي تكفل فض انغلاق البنية، اذا جاز ان نصفها بالانغلاق كبنية.
فالبنية، او القوانين المنطقية للفكر والممارسة- بصورة عامة- ليست حتماً وقدراً متى ما كانت فرصة الانحراف او مكان سلوك مسارات جديدة قائمة باستمرار، ولن تكون الفرصة قائمة في أي ثقافة مغلقة، فالانغلاق صفة للثقافات التي تتموضع داخل البنى فتلونها بلونها، وليست صفة- بالضرورة- للبنية بشكل عام سواء في ذاتها او في ارتباطها بالتاريخ والواقع. والثبات الذي يصف عالمها الداخلي هو ثبات صوري مؤقت، وليس انغلاقاً ما دام التغيير في البنية ممكناً.
فبنية العلم الطبيعي- مثلاً- لا تختلف عن بنية أي ظاهرة انسانية اخرى من حيث هي بنية ذات نسق شامل ومنظم وعلاقات مترابطة وقوانين ثابتة، ولكن المحتوى العلمي لا يفترض الانغلاق على ذاته كما تفعل البنية الثقافية ذات المحتوى المغاير. والتحيز العلمي اقل حدة من التحيز الثقافي او الاجتماعي، لاسباب ايديولوجية في المقام الاول، وهي ذاتها الاسباب التي تجعل العلوم المادية الطبيعية مختلفة عن العلوم الانسانية والاجتماعية ومتقدمة عليها في الوقت ذاته.
فالمحتوى الثقافي هو المسؤول الاول عن انغلاق البنى التي يتموضع داخلها ويصبغها بصبغته وقد كان العلم المادي في فترة من فترات تاريخه لا يقل تعصباً وتحيزاً عن غيره من الانساق والظواهر الاخرى، والسبب عائد في هذه الحالة ليس الى محتوى العلم او طبيعته بقدر ما هو عائد الى البنية الثقافية العامة التي انخرط فيها النشاط العلمي وخضع لمؤثراتها المتحيزة، فأدى ذلك الى التعصب والانغلاق والتحيز.
لقد كانت بنية العلم الطبيعي عند اليونان وارسطو- مثلاً- مفتوحة ومتطورة، لان البنية الثقافية في اليونان، وقتئذ، كانت بنية مفتوحة، تسمح بالتطوير والنقد والحوار. ولما اصبح العلم اليوناني والارسطي مكوناً من مكونات البنية الثقافية المغلقة في القرون الوسطى صار مغلقاً لا يقبل التطوير والتغيير، وظل هكذا على مدى عشرين قرناً حتى جاءت بنية ثقافية جديدة ومنفتحة لتحرر العلم من هذا "الحبس الثقافي" الطويل جداً، واقصد بها ثقافة العصر الحديث.
فالمشكلة، اذن، في طبيعة الثقافة وما هيتها ومخرجاتها.. فما هو المعيار الذي نقيس به الثقافات؟ وهل المفاضلة ممكنة بينها؟
بالتأكيد، نعم. فالمجتمعات المتفوقة لا بد انها تتبع ثقافة متفوقة ومفتوحة اذا نظرنا الى مفهوم التفوق على كافة المستويات وليس فقط على المستوى السياسي او الاقتصادي او العسكري او الصناعي او الفكري كلاً على حده! فالتفوق كالعصارة التي تجري في مكونات البنية الثقافية وفعالياتها وعلاقاتها وعناصرها، وهو بكلمة اخرى: الابداع الذي يحرف المسارات الثقافية باستمرار ويجعلها مفتوحة على الآخر.
والمسار يكون رأسياً، صعوداً او نزولاً، وليس افقياً، لكيلا يكون الخط لولبياً، بل متصاعداً ومرتقباً، بحيث لا يربطه بالمسار الذي قبله الا درجة الرقي وبعد النظر فيما هو مترتب على تغيير الاصول الثقافية البنيوية التي تسهم في تحديد الفكر والسلوك وتأطيرها داخل حدود معينة، فلا يبقى منها الا الشواهد والعلامات التي تدلنا على اننا اصبحنا في مرتبة ارفع ومنزلة ارقى، وهذا هو معيار المفاضلة بين الثقافات.
فالقدرة على رؤية المكونات الثقافية السائدة والتعامل معها كتراث او كمعطى موضوعي او كعلامات تنبهنا على مدى التقدم الاجتماعي الذي انجزناه هو معيار المفاضلة الثقافي.
وبالتأكيد فهناك شواهد وعلامات اخرى للدلالة على الرقي الاجتماعي كالتقدم الصناعي والرخاء الاقتصادي وتوفر الامن والحرية والعدالة الاجتماعية وازدياد رفاهية الفرد والقوة الفكرية والعسكرية وغيرها من الشواهد.