كان أحدهم يأخذ بيده اليمنى ويشير بها من خلف رأسه الى أذنه اليسرى، ويقول لي تـهكمـا «فين اذنك يا جحا»؟
هكذا كان يعبر أحـد عملاء البنوك الاسلامية عن تشابه بعض صيغ تمويل هذه البنوك مع التمويل التقليدي. كـنت أغـتـاظ من تلك الاشارة ولكني أتحامل على نفسي لأشرح صدق واخلاص الصيرفة الاسلامية وان التبس على الكثير التشابه بين النمطين أحيانا. وتـبـقى مسؤوليـة توضـيح ذلك اللبس على عاتق المدافعين عن مبادئ الصيرفة الاسلامية و العاملين بـها. ولكن توضيح الفوارق الدقيقة بين النمطين لم يكن أمراً سهلاً، خصوصا على غير المتخصصين في فقه المعاملات أمثال هذا الكاتب.
وفي هذا السياق كنت ومازلت أتمنّى أن تقوم وزارة التعليم باضـفـاء توازن عـلى مناهج الفقه، بحيث يتم تطعيم هذه المناهج بقدر أكبر من فقه المعاملات مقابل ادراج تفاصيل أقل في فقه العبادات. فما من مواطن الاّ ويعلم نواقض الوضوء مثلا، ولكن كم مواطن يعرف كيف يتجنب الحرام عندما يقصد الحراج لبيع أو شراء سيارة مستعملة ! وكم مواطنة تميز الحلال من الحرام عندما تقصد أحد الصاغة لبيع أسورة ذهبية مستعملة مثلا ! فهل يستقيم ايمان المرء اذا أتقـن شعائره الدينية وأساء معاملاته الحياتية مع سائر الناس!
وأتـصوّر أن ثـقـافـة فـقـه المعاملات ستردم الفـجوة القائمـة بـيـن الـمواطـنـين والعلمـاء من جـهـة، والفجـوة الأخرى بـين التنفيذيين في البنوك وهيئاتها الشرعية. فــقـد تــتـعـجّب عندما تـرى موظفـا بـنـكـيا حريصا على حسن صلاتـه وصيامه، ولكـنّـه لـضـعـف إلمامه بـفـقـه المعاملات، يـتـسـاهل بتطبيق شروط عقود الصيرفة الاسلامية لـظـنه أنه مصرفي بالدرجة الأولى أمـا المسائل الدينية فلا تخضع لدائرة تخصصه. وبذلك يكتفي الموظف غير الحريص بأن «يضع بينه وبين النار مطوّع» كما يقولون!
لكن المعاملات المالية العصرية تزداد تعقيدا من يوم لآخر. ولـقـد بـلغ عـدد صـيـغ الاستثمار في البورصات العالمية ما يتجاوز المائة آليـة يسمونها «مشتقات». ولارتـباط مؤسساتنـا المالية بمؤسسات عالمية عملاقـة، أصـبح بديهيا ضرورة التعرّف على بـعـض هذه الصيغ. و«لغاية في نفس يعقوب» تقوم المؤسسات الغربية بإفهام بنوكنـا أن هـناك فرصا استثمارية تضيع دوما باصرارنا تجـنـب شبهة الربا. كما أنّ اعتياد شركاتـنـا على خدمات بنكية دولية لا تعبه بشبهة الربا، يجعل مؤسساتـنا المالية الشرعية، تخـضع لضغوط كبيرة لإجازة بعض التعاملات حرصا على الافادة من الفرص وتلبية لحاجة السوق.
وعليه تقوم بعض الهيئات الشرعية (مشكورة على اجتهادها) بإصدار فتاوى تهدف لإعطاء الصيرفة الاسلامية فرصـة تنافسية عادلة. مـن ضـمنـهـا فتـاوى «التورّق» التي سعت اليها واغـتـنـمـتـهـا الصيرفة الاسلامية في السعودية خلال الأشهر الماضية. ولـقد أحـسـن مجمع الـفـقه الاسلامي بتسجيل تحفظه على استخدام آليـة «التورّق» رغم فتاوى هـيئات البنوك المعنيـة. ولقد أسعدني هذا التحفظ من المجمع وأعتـقد أن هذا الـتباين يكرّس الثقـة في الصيرفة الاسلامية بـوضـع ضـوابـط عـلى الفتاوى الصادرة للصيرفة الاسلامية بوجه عام.
ولـقـد تـنـبّـهت بـعـض البـنوك الـمركـزيـة بالدول الاسلامية لضرورة تـشكـيل هـيـئة فتـوى مـركـزية تابعة للبنك المركزي لضبط معاملات الصيرفة الإسلامية. فيجدر بمؤسسة النقد السعودية كذلك ان تشكل لـجـنـة فتوى عليا تتولى ضبط ومراقبة اصدار فتاوى الهيئات المتعددة. ومما «يزيد الجمر احمرارا» انتشار ظاهرة الفتاوى لتشمل الأسهم السعودية، حتى تباينت الفتاوى بل وتباينت درجات حرمانية الأسهم ! فهناك أسهم تصل حرمانيتهـا لدرجة كذا وأخرى لدرجة أقل أو أكثر وهكذا. أليس من الضروري أن تستدرك السلطات المالية والسلطات الدينية معا هذه الظاهرة، كي لا تجعل كل شركة هيئة فتوى خاصة بها، ويقول أحدنا لأخيه أنا أطـهـر مـالا مـنك!
Samirabid@yahoo.com
هكذا كان يعبر أحـد عملاء البنوك الاسلامية عن تشابه بعض صيغ تمويل هذه البنوك مع التمويل التقليدي. كـنت أغـتـاظ من تلك الاشارة ولكني أتحامل على نفسي لأشرح صدق واخلاص الصيرفة الاسلامية وان التبس على الكثير التشابه بين النمطين أحيانا. وتـبـقى مسؤوليـة توضـيح ذلك اللبس على عاتق المدافعين عن مبادئ الصيرفة الاسلامية و العاملين بـها. ولكن توضيح الفوارق الدقيقة بين النمطين لم يكن أمراً سهلاً، خصوصا على غير المتخصصين في فقه المعاملات أمثال هذا الكاتب.
وفي هذا السياق كنت ومازلت أتمنّى أن تقوم وزارة التعليم باضـفـاء توازن عـلى مناهج الفقه، بحيث يتم تطعيم هذه المناهج بقدر أكبر من فقه المعاملات مقابل ادراج تفاصيل أقل في فقه العبادات. فما من مواطن الاّ ويعلم نواقض الوضوء مثلا، ولكن كم مواطن يعرف كيف يتجنب الحرام عندما يقصد الحراج لبيع أو شراء سيارة مستعملة ! وكم مواطنة تميز الحلال من الحرام عندما تقصد أحد الصاغة لبيع أسورة ذهبية مستعملة مثلا ! فهل يستقيم ايمان المرء اذا أتقـن شعائره الدينية وأساء معاملاته الحياتية مع سائر الناس!
وأتـصوّر أن ثـقـافـة فـقـه المعاملات ستردم الفـجوة القائمـة بـيـن الـمواطـنـين والعلمـاء من جـهـة، والفجـوة الأخرى بـين التنفيذيين في البنوك وهيئاتها الشرعية. فــقـد تــتـعـجّب عندما تـرى موظفـا بـنـكـيا حريصا على حسن صلاتـه وصيامه، ولكـنّـه لـضـعـف إلمامه بـفـقـه المعاملات، يـتـسـاهل بتطبيق شروط عقود الصيرفة الاسلامية لـظـنه أنه مصرفي بالدرجة الأولى أمـا المسائل الدينية فلا تخضع لدائرة تخصصه. وبذلك يكتفي الموظف غير الحريص بأن «يضع بينه وبين النار مطوّع» كما يقولون!
لكن المعاملات المالية العصرية تزداد تعقيدا من يوم لآخر. ولـقـد بـلغ عـدد صـيـغ الاستثمار في البورصات العالمية ما يتجاوز المائة آليـة يسمونها «مشتقات». ولارتـباط مؤسساتنـا المالية بمؤسسات عالمية عملاقـة، أصـبح بديهيا ضرورة التعرّف على بـعـض هذه الصيغ. و«لغاية في نفس يعقوب» تقوم المؤسسات الغربية بإفهام بنوكنـا أن هـناك فرصا استثمارية تضيع دوما باصرارنا تجـنـب شبهة الربا. كما أنّ اعتياد شركاتـنـا على خدمات بنكية دولية لا تعبه بشبهة الربا، يجعل مؤسساتـنا المالية الشرعية، تخـضع لضغوط كبيرة لإجازة بعض التعاملات حرصا على الافادة من الفرص وتلبية لحاجة السوق.
وعليه تقوم بعض الهيئات الشرعية (مشكورة على اجتهادها) بإصدار فتاوى تهدف لإعطاء الصيرفة الاسلامية فرصـة تنافسية عادلة. مـن ضـمنـهـا فتـاوى «التورّق» التي سعت اليها واغـتـنـمـتـهـا الصيرفة الاسلامية في السعودية خلال الأشهر الماضية. ولـقد أحـسـن مجمع الـفـقه الاسلامي بتسجيل تحفظه على استخدام آليـة «التورّق» رغم فتاوى هـيئات البنوك المعنيـة. ولقد أسعدني هذا التحفظ من المجمع وأعتـقد أن هذا الـتباين يكرّس الثقـة في الصيرفة الاسلامية بـوضـع ضـوابـط عـلى الفتاوى الصادرة للصيرفة الاسلامية بوجه عام.
ولـقـد تـنـبّـهت بـعـض البـنوك الـمركـزيـة بالدول الاسلامية لضرورة تـشكـيل هـيـئة فتـوى مـركـزية تابعة للبنك المركزي لضبط معاملات الصيرفة الإسلامية. فيجدر بمؤسسة النقد السعودية كذلك ان تشكل لـجـنـة فتوى عليا تتولى ضبط ومراقبة اصدار فتاوى الهيئات المتعددة. ومما «يزيد الجمر احمرارا» انتشار ظاهرة الفتاوى لتشمل الأسهم السعودية، حتى تباينت الفتاوى بل وتباينت درجات حرمانية الأسهم ! فهناك أسهم تصل حرمانيتهـا لدرجة كذا وأخرى لدرجة أقل أو أكثر وهكذا. أليس من الضروري أن تستدرك السلطات المالية والسلطات الدينية معا هذه الظاهرة، كي لا تجعل كل شركة هيئة فتوى خاصة بها، ويقول أحدنا لأخيه أنا أطـهـر مـالا مـنك!
Samirabid@yahoo.com