أهمية المسيرة الكبرى التي قادها ماوتسي تونغ لا ترجع إلى طول الطريق الذي سلكه (12 ألف كيلومتر) فقط بل لأنها حافظت على الجيش الأحمر وعلى الحزب معا، وفي ديسمبر 1935 طرح الحزب برنامج النضال المشترك والجبهة الوطنية لمقاومة الخطر الياباني التوسعي وقد استجاب الكومنتاج على الرغم من معارضة الجنرال شان كاي شك لشعار التعاون المشترك ضد الغزو الياباني (1937- 1945) وفي الوقت الذي مُني فيه شان كاي شك بهزائم منكرة في حربه ضد اليابانيين فان الفيالق العسكرية للجيش الأحمر نجحت في توجيه ضربات قوية لمواقع اليابانيين الخلفية، كما ازداد نفوذها وحجمها بصورة كبيرة جدا فقد ارتفع عدد قواتها من أربعين ألفاً إلى أكثر من نصف مليون، أما أعضاء الحزب فقد ارتفع عددهم من أربعين ألفاً إلى ثمانمائة ألف عضو، وفي عام 1940 اصدر ماو تسي تونغ كتابه «الديمقراطية الجديدة» ويطرح الكتاب تكتيك التحالف الطبقي في الحرب ضد اليابانيين كمرحلة على طريق المجتمع الاشتراكي وعلى أن الثورة الصينية ستكون أساسا ثورة فلاحين كما أن النضال ضد اليابانيين هو نضال تقوده بالدرجة الأولى طبقة الفلاحين وفي مبادرة مبكرة لتأسيس فهم خاص ومستقل عن تحليلات وتنظيرات الكومنترين (الأممية الشيوعية) والمدرسة السوفيتية كتب ماو تسي تونغ «علينا أن ننسق بين الحقائق العامة للماركسية والظروف الموضوعية للثورة الصينية أي علينا أن نجد شكلا قوميا للماركسية قبل أن تتمكن من استعمالها إذ لا ينبغي قبولها بشكل دوغمائي متحجر» بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإعلان استسلام اليابان شنت قوات شان كاي شك التي استولت بطلب من الأمريكيين على الأسلحة اليابانية هجوما واسعا على المواقع والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الأحمر غير أن حصيلة ذلك الهجوم كان الفشل الذريع واستمرت الحرب الأهلية الثانية (1945- 1949) إلى أن انتهت بسيطرة الحزب الشيوعي الصيني على مقاليد السلطة والتي توجت بتشكل أول حكومة مركزية لجمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر 1949 على كافة الأراضي الصينية باستثناء جزيرة فورموزا (تايون) التي لجأ إليها شان كاي شك المدعوم من قبل الأمريكيين، وابتداء من عام 1949 فان تاريخ الصين السياسي المعاصر اخذ يتداخل مع تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، وبعد فترة انتقالية قصيرة (1949- 1952) دشنت أول خطة خمسية للتنمية استوحت البرنامج والنموذج السوفيتي في خطوطه العامة، والتركيز على الصناعة الثقيلة على حساب الزراعة وبناء المشاريع الصناعية والزراعية العملاقة وبناء شبكة واسعة من الخطوط الحديدية وخطوط الكهرباء وتنمية التجارة الداخلية على حساب الانفتاح على الغرب وأسواقه، وفي سبتمبر 1954 أصدرت الجمعية الشعبية الوطنية (البرلمان) الدستور الدائم لجمهورية الصين الشعبية (في 4 ديسمبر 1982 أعلن الدستور الرابع المعمول به حاليا) وهذا الدستور استُوحي إلى حد كبير من الدستور السوفيتي حيث أكد مبادئ المركزية الديمقراطية (احتكار الحزب الشيوعي للحياة السياسية) والملكية العامة لوسائل الإنتاج وفي عام 1956 عقد الحزب أول مؤتمر له بعد تسلمه السلطة وهو المؤتمر الثامن ونمت عضويته لتصل إلى حوالى 11مليون عضو (عدد أعضاء الحزب الشيوعي في عام 1991 بلغ أكثر من 50 مليون عضو) لقد اتسمت مواقف الحزب الشيوعي الصيني حتى قبل تسلمه السلطة بميله نحو رسم سياسة مستقلة عن المركز (الكو منترن) ومحاولة تطويع الأيدلوجية الماركسية وتطعيمها بالخصائص القومية الصينية ذات الجذور الكونفوشيوسية والشرقية العريقة أما على الصعيد الدولي فقد برز الدور الاستقلالي للصين عن سياسة المحاور والاستقطاب الدولي السائد آنذاك ما بين المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة على الرغم من وجود معاهدة الصداقة والتعاون والتحالف مع الاتحاد السوفيتي وتجسد ذلك في إسهام الصين الأساس في تشكيل وتطور الحركة الأفروآسيوية (دول عدم الانحياز) وعلى الصعيد الداخلي بدأت ملامح خروج الصين من نمط البناء الاشتراكي السوفيتي ففي عام 1956 أطلق لونينغ أي مسئول الدعاية في الحزب بتأييد من شو أن لأي شعار كان ماو تسي تونغ قد أطلقه في الماضي وهو «لندع مائة زهرة تتفتح، ولندع مائة مدرسة تتنافس». غير انه سرعان ما تم التراجع عن هذا الشعاربعد تحول جامعة بكين في اواخر 1957 الى منبر ادانة البيروقراطية الحزبية وهيمنة الحزب الحاكم وبدأ الحديث مجددا عن «الزهور السامة» التي يجب اقتلاعها أولا وتبع ذلك إرسال مئات الآلاف من المثقفين والبرجوازيين وأهالي المدن إلى الأرياف عبر ما أطلق عليه مسمى التثقيف وإعادة البناء الذاتي ومع إن الإصلاح الزراعي قد أعلن منذ عام 1950 ولم يواجه بأية مقاومة من قبل أغلبية الفلاحين (مقارنة بالإجراءات التي اتخذها ستالين في مطلع الثلاثينات) إلا أن وضع الزراعة كان متخلفا بوجه عام لذا طرح ماو تسي تونغ في عام 1958 شعار تكوين الكومونات (المشاعيات) الشعبية وطلب منها تحقيق شعار «القفزة الكبرى إلى الأمام» بهدف جعل الصين تعوض التأخر الاقتصادي والإنتاجي والتكنولوجي بينها وبين بريطانيا في اقل من 15 عاما، وهكذا تحولت المصانع والمدارس والحقول إلى ما يشبه المعسكرات من اجل خلق روح العمل والتضحية والانجاز والروح الجماعية وفقا لشعار الحزب المرفوع آنذاك «أكثر وأسرع وأفضل» غير أن هذه السياسة أدت عمليا إلى القفز إلى الوراء والى كارثة اقتصادية مروعة كادت تؤدي بالصين إلى حافة المجاعة والانهيار.