قبل سنوات أصيب أحد أضراسي بالتصحر والتعرية، فقام طبيب أسنان بالتنقيب فيه، وقرر إصابته بالشلل، بقتل العصب الذي يغذيه، وهي عملية تستغرق عدة جلسات على كرسي الإعدام الطبي، فرفضت قتل العصب وطالبت ببتر الضرس الخربان، باستئصاله تماما.. وبدوره عارض الطبيب مطلبي تماما قائلا ان فقدان ضرس ليس أمرا مستحبا، فقلت له: ضرسي و أنا حر فيه.. أخلعه خير من أن أؤجره مفروشا للبكتيريا والسوس.. عن تجربة أعرف ان قتل العصب يستوجب عمليات حفر مؤلمة ومطولة.. يؤلمني صوت حفارة الأسنان (الدريل) أكثر من الحفر نفسه، وبعد الحفر واكتشاف البترول والزفت (القار) والقطران والنيكوتين تبدأ عملية التنظيف: يدخل الطبيب أشياء رفيعة تشبه نكاشات الأسنان ويبرمها ويديرها يمينا وشمالا داخل الضرس.. ثم يقوم بردم الحفرة مؤقتا.. وتعال بعد أسبوعين.. أن تخلع ضرسي يا صديقي خير من ان تخلع قلبي بالجلوس على كرسيك الكئيب ذاك، وتضع في فمي عدة خراطيم وكأن فمي "مانهول” منذ عهد الأتراك في حي شعبي، ولم تعرف بأمره سلطات البلدية إلا بعد أن فاض وغمر عطره الأنوف.. هنا قال لي الطبيب: أنت أفريقي أصيل.. كان الرجل قد نال الماجستير في طب الأسنان من جامعة في جنوب أفريقيا ثم عمل هناك حينا من الدهر، وقال ان مواطني جنوب افريقيا لا يذهبون الى طبيب الأسنان إلا لخلع ضروسهم.. أي ضرس يقول كاني ماني يخلعونه، أي لا يقبلون بتنظيفه وحشوه حتى لو كان به تسوس طفيف.. بل أحيانا – والحديث ما زال للطبيب – يطالبون بخلع كذا ضرس سليم تفاديا لوجع الرأس وبمنطق "مصيره يتخلع يوما ما وخير الخلع عاجله”
وأكثر ما يحيرني في أمر الأضراس هو أنها لا تتذكر أنها تالفة إلا بعد حلول الظلام.. يعني بمجرد أن تبدأ التفكير في النوم يقرر الضرس النباح فتحس ان قلبك انتقل الى فكك لأن اللثة تبدأ تنبض بعنف.. ومن حسنات الطب الحديث أنه صار يولي "الألم” اهتماما خاصا، بمعنى ان الكثير من المستشفيات صارت تضم عيادات للألم (بين كلينيك) يكون أطباؤها في غالب الأحوال أخصائيي التخدير، بوصفهم أفضل من يعرف مواطن الإحساس بالراحة والألم في الجهاز العصبي والدماغ.. وفي تقرير صحفي عن وظائف الجسم على مدار الساعة قال باحثون في جامعة كوينز في كندا إن أعراض الألم تكون في أسوأ درجاتها بعد الثامنة مساء.. العجيب في تجربتي الشخصية هو أن أكبر لحظات السعادة في حياتي كانت بعد الثامنة مساء، فعيالي الأربعة ولدوا ليلا، وأكد باحثون في جامعة تكساس ان معظم الولادات تتم بعد الواحدة ظهرا وأن عمليات الولادة تكون في أدنى معدلاتها ما بين ال10 صباحا ومنتصف النهار... سأحدثكم عن عجائب وسخافات مثل تلك الدراسات غدا بإذن الله.