تروي بعض الكتب التي تضم أخبار الشعراء ومعاناتهم أحيانا من الحصر قبل ولادة القصيدة أن الفرزدق كان له شيطان من الجن يلهمه قول الشعر فيجود بأجمل القصائد. وقد روى الفرزدق نفسه خبرا كهذا عن شيطانه (أبي لبنى) قال: «أتيت منزلي فأقبلت أصعد وأصوت في كل فن من فنون الشعر، فكأني مفحم أو لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت ريانا (جبل بالمدينة)، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أخاكم أبا لبنى (يعني شيطانه) فجاش صدري كما يجيش المرجل، ثم عقلت ناقتي فما قمت حتى قلت مائة وثلاثة عشر بيتا».
من الملاحظ في عبارة الفرزدق الآنفة قوله: «حتى اذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي...» أي أنه انطلق الى الخلاء في ساعة الفجر النقية، حيث يكون الذهن متجليا في صفائه والطبيعة موحية فلا غرابة أن يجيش صدره ويذهب الحصر عنه من غير حاجة الى استجداء كرم ابي لبنى.
هل كان الفرزدق ساذجا كي يظن أن صديقه أبالبنى أهدى اليه أبياته المائة والثلاثة عشر؟ أم كان يتظاهر بذلك ليثير استغراب الناس ويستحوذ على اهتمامهم؟ أم أن القصة برمتها من نسيج غيره منحولة على لسانه؟
على اية حال، فإن الاغلاق أو الحصر أو استعصاء الوحي ليس حدثا موقوفا على الشعراء وحدهم وانما هو يصيب كل المبدعين في أي مجال سواء كان علما أو أدبا أو فنا أو غيره. وأذكر منذ زمن بعيد حين كنت أدرس الرياضيات في المرحلة الثانوية، أني كنت في بعض المرات أقضي وقتا طويلا احاول حل مسألة من المسائل لكنها تستعصي، فأظل أحاول وهي مستعصية، وأمضي أُجرب طرقا كثيرة وأجهد ذهني بحثا عن مدخل الى حلها لكنها تظل مستعصية، فأتركها يائسة، ثم أعود اليها في اليوم التالي فإذا بحلها يأتي الى ذهني في دقائق ينساب الي انسياب الماء في مجراه. في ذلك الوقت لم يخطر ببالي أنه قد يكون هناك لي صديق يُعطي الحل ويمنع حسب مزاجه، ولم أفكر في مناداته يوما والاستعانة بهمته واستجداء مروءته خاصة وقت الضيق، على مقاعد الامتحان.
لو أني عرفت خبر الفرزدق من قبل لربما كانت حياتي اكثر راحة، فخبر الفرزدق يدل على أن الناس يُمكنهم اتخاذ أصدقاء من الجن يستنجدون بهم وقت الشدائد ليحملوا بدلا منهم ثقل ما تحملهم اياه الأيام. الا ان الفرزدق نسي فيما نسي أن يعلم الناس كيف يعثرون على مثل ابي لبنى؟
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
من الملاحظ في عبارة الفرزدق الآنفة قوله: «حتى اذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي...» أي أنه انطلق الى الخلاء في ساعة الفجر النقية، حيث يكون الذهن متجليا في صفائه والطبيعة موحية فلا غرابة أن يجيش صدره ويذهب الحصر عنه من غير حاجة الى استجداء كرم ابي لبنى.
هل كان الفرزدق ساذجا كي يظن أن صديقه أبالبنى أهدى اليه أبياته المائة والثلاثة عشر؟ أم كان يتظاهر بذلك ليثير استغراب الناس ويستحوذ على اهتمامهم؟ أم أن القصة برمتها من نسيج غيره منحولة على لسانه؟
على اية حال، فإن الاغلاق أو الحصر أو استعصاء الوحي ليس حدثا موقوفا على الشعراء وحدهم وانما هو يصيب كل المبدعين في أي مجال سواء كان علما أو أدبا أو فنا أو غيره. وأذكر منذ زمن بعيد حين كنت أدرس الرياضيات في المرحلة الثانوية، أني كنت في بعض المرات أقضي وقتا طويلا احاول حل مسألة من المسائل لكنها تستعصي، فأظل أحاول وهي مستعصية، وأمضي أُجرب طرقا كثيرة وأجهد ذهني بحثا عن مدخل الى حلها لكنها تظل مستعصية، فأتركها يائسة، ثم أعود اليها في اليوم التالي فإذا بحلها يأتي الى ذهني في دقائق ينساب الي انسياب الماء في مجراه. في ذلك الوقت لم يخطر ببالي أنه قد يكون هناك لي صديق يُعطي الحل ويمنع حسب مزاجه، ولم أفكر في مناداته يوما والاستعانة بهمته واستجداء مروءته خاصة وقت الضيق، على مقاعد الامتحان.
لو أني عرفت خبر الفرزدق من قبل لربما كانت حياتي اكثر راحة، فخبر الفرزدق يدل على أن الناس يُمكنهم اتخاذ أصدقاء من الجن يستنجدون بهم وقت الشدائد ليحملوا بدلا منهم ثقل ما تحملهم اياه الأيام. الا ان الفرزدق نسي فيما نسي أن يعلم الناس كيف يعثرون على مثل ابي لبنى؟
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382