يمثل فيلما (الحب تحت المطر) 1973 و(الكرنك) 1974 ذروة المعالجة السينمائية لروايات نجيب محفوظ . في (الحب تحت المطر) يكشف المخرج حسين كمال بلغة سينمائية رفيعة عن معاناة الشباب وما أصابه من انهيار بعد النكسة، ويتميز الفيلم بالموضوعية والبعد عن استخدام مشاهد الإثارة الجنسية المعهودة في ذلك الوقت وصور الشباب تحت ظروف القهر الاقتصادي الساحق وهبوط الروح المعنوية بسبب الهزيمة وانهيار المثل ويقاوم كل ذلك دون خطابية. عن معاناة الشباب يجسد فيلم (الكرنك) ماجاء في الرواية من تحطيم للكرامة الإنسانية في نفوس شباب الثورة باسم الحفاظ على الأمن والحفاظ على الثورة ، الى درجة اغتصاب الطالبه "زينب" امام زميلها وخطيبها ولايفرج عنهما الا بعد التعهد بالتجسس على زملائهم بينما يموت زميل اخر من شدة التعذيب.
وفى فيلم (أميرة حبى انا) 1974 المأخوذ عن قصة قصيرة من مجموعة (المرايا) سنجد البطل حسين فهمي يتورط في زواج مصلحة من ابنة صاحب الشركة التى يتخلص منها ومن الشركة عندما يعثر على حبه الحقيقي سعاد حسنى . غير ان الفيلم يبدو تكرارا لفيلم (خلى بالك من زوزو) .
فى الثمانينات يصل تواجد محفوظ على الشاشة الى ذروته ، حيث بلغ عدد أفلامه 17 فيلما وتصل الاستعانة بقصصه الى ذروتها أيضا، بحيث تمثل بالنسبة الى ماسبق قفزة عددية ونوعية بارزة . فكل أفلام هذا العقد مأخوذة عن قصصه القصيرة في ماعدا فيلمين فقط ، والملاحظ ان ملحمة الحرافيش استأثرت بنسبة كبيرة منها حيث اعتمدت ستة أفلام على بعض ما جاء بها من حكايات وبالإضافة الى هذه الأفلام السته نجد ثلاثة أفلام اخرى من عصر الفتوات أيضا لتصبح تسعة أفلام تجمع بينها ذات العوالم والشخصيات تقريبا.
وخارج نطاق افلام الحرافيش والفتوات التى سادت هذا العقد نجد من الافلام التى تدور احداثها فى الزمن الحاضر وتناقش بعض قضايانا المعاصرة ثلاثة منها جديرة بالاعتبار هى على التوالى (اهل القمة) 1981 و(ايوب) 1984 و(الحب فوق هضبة الاهرام) 1986
فى فيلم (أهل القمة) رصد للاستغلاليين الذين استفادوا من قوانين الانفتاح الاقتصادي، وتحولوا الى فئة شديدة الثراء، مؤثرة الوجود، من حيث الشكل المظهري، فئة ترتدى احدث الثياب ،وتستخدم افخم السيارات وتتستر أحيانا وراء مظاهر التدين، والفيلم كما أراد له محفوظ في قصته أن يضع المواجهة بين ضابط شرطة شاب (عزت العلايلى) ونشال (نور الشريف) وتأتى الصدمة القاسية عندما يعرف الضابط ان ابنة شقيقته على علاقة عاطفية بهذا النشال والذى اصبح تاجراً كبيراً..هكذا يجد هذا الضابط نفسه داخل معركة مع جميع الاطراف تنتهي بانتصار اهل القمة الجدد من المنتفعين والمهربين والنشالين، ويتمثل ذلك في شخصية البطل "زعتر النوري" بطموحاته وأحلامه في التسلق واحتلال مكانة جديدة فى عالم جديد تتشكل ملامحة فى فترة كانت تعبرعن شريحة من المجتمع تتهيأ لاحتلال مكان الصدارة.
في فيلم (أيوب)1983 البطل المليونير يصاب بالشلل وينصحه صديقة الطبيب باسترجاع ذكرياته وتسجيلها ويعثر البطل على شفائه بالاعتراف ويعلم الآخرون من أصحاب الملايين بحقيقة الاعترافات فيقاومونه ويحرقون المطبعة وعندما يحاول ان يهرب بنسخة منها يطلقون عليه النار. ويمثل (الحب فوق هضبة الهرم) 1986 مناقشة جريئة بالصورة والحوار لمشكلة الحب والزواج عند الشباب فى عصر التضخم والانفتاح .
ومن الافلام التى أنتجت في الثمانينات (الشريدة) لنجلاء فتحي 1980، ومن إخراج أشرف فهمي، و(الخادمة) لنادية الجندي ،1983 و(دنيا الله) 1985 ، وجميعها تتميز برصد التأثيرات الاقتصادية على سلوك الأفراد . و تتأرجح ملامح البطل فى افلام (الحرافيش) 1986، و(الشيطان يعظ) 1981 (فتوات بولاق) 1981 مابين البطل المقهور بفعل قوى شرسة والبطل الباحث عن الحرية والعدالة فى عالم تسود فيه شريعة الغاب، وحفلت بعضاً منها بالمعارك الدامية، وفيلم (وكالة البلح) 1983 الذى قدم الممثلة (نادية الجندي) كبطلة مثيرة ومتلاعبة بعواطف الرجال لتكشف عن تأثير ثنائية الجنس والسلطة.
ويقترب فيلم (شهد الملكة) 1985 من فكرة تقاسم السلطة بين امرأتين، فتدور أحداثه حول خادمة تتطلع الى سيدها لتتخلص منها الزوجة بفرض الزواج عليها من صاحب الفرن، ويتحدث فيلم (المطارد) 1985 عن البطل الذى يعود بعد مدة طويلة لللانتقام من ظالميه.
ويعود فيلم (التوت والنبوت) 1986 الى عالم الفتوات، والفتوة المستبد الذى يمعن في إذلال عائلة "الناجى" الى ان يظهر البطل ـ الابن الاكبر للعائلة ـ ليقود الحرافيش لمناهضة الظلم واسترداد "الفتونة" .
يبقى فيلما (اصدقاء الشيطان) 1988 لأحمد ياسين، و(قلب الليل) 1990 لعاطف الطيب ، وهما فيلمان يناقشان ظاهرة الفتوة في إطار فلسفي فمرة نجده مخاوياً للجن وصديقهم الذي يستمد قوته من علاقته بهم ويجادلهم في مسلماتهم ، بينما في قلب الليل الذي كتب السيناريو له محسن زايد يعالج قضية فلسفية هامة :الحرية والإختيار، مروراً بالرغبات التي تعتمل في أعماق الإنسان، وتأثيرها في تحطم النواهي والممنوعات، واليقين المهتز بالشكوك والأسرار الغامضة التي يعجز العقل البشري عن كشفها وإدراكها . وهي كلها مسائل فلسفية بعيدة تماماً عن هموم السينما السائدة حينذاك.
دراما نجيب محفوظ كانت دائما وأبدا على تماس بعوالم تموج بالبشر والأحداث والتاريخ ، وهي في مجملها رصدت ثلاثة عناصر فقط تهتم بها صناعة السينما المصرية: الحادثة القصصية والشخصية الرئيسية والجو العام. ولا يعيب التركيز على تلك العناصر ، لكن المشكلة في الاكتفاء بها وحدها دون النظر الى بقية العناصر الأخرى مثل توجهاته السردية الجديدة التي كان يجب أن يكون لها ما يعادلها في المعالجات السينمائية، وهو ما جعل أفلامه لا تختلف في بنيتها عن أفلام غيره من المؤلفين .. ربما بسبب وقوف السينما المصرية عند نمطية المعالجة الدرامية.

khalidrabeei@hotmail.com