هذا المقطع من الأمثال العربية الحكيمة التي تجد لها ما يصدقها في الواقع؛ إذ ليست الأرض ضيقة بل هي واسعة في الطول والعرض، وواسعة في الرزق الطيب والحياة الكريمة. والمنادح جمع مندوحة، وهي السعة، ويجوز أن تجمع مندحاً ومنتدحاً، ويجمع ندح أيضاً وكلها تعني الرحب والسعة.
ولقد وعد الله -عزَّ وجل- الذين ينتقلون من ضيق الدنيا ولأوائها وفقرها، ويهاجرون إلى سعتها وخيراتها التي أودعها الله تبارك وتعالى فيها؛ ابتغاء مرضاته، وثباتاً على توحيده، وسعياً في الكسب الحلال، والبعد عن الذلة والمهانة وأكل الحرام، وعدهم بالمراغم الكثيرة والسعة، وهي السعة في الرزق (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً).[النساء:100] غير أن "ضعف النفس وحرصها وشحها؛ يُخيّل إليها أن وسائل الحياة والرزق، مرهونة بأرض، ومقيدة بظروف، ومرتبطة بملابسات لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلاً. وهو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم، وتسكت على الفتنة في الدين؛ ثم تتعرض لذلك المصير البائس. والصحيح أنه سيجد في أرض الله منطلقاً، وسيجد فيها سعة. وسيجد الله في كل مكان يذهب إليه، يحييه ويرزقه وينجيه”.
إن الخوف من النتائج السلبية لترك المألوف والانتقال إلى المجهول وعدم انشراح النفس لما ستقبل عليه من متغيرات، وتوهّم الفشل في كل خطوة يخطوها المرء وهو في سيره لطلب الرزق أو الأمان؛ كل ذلك من أسباب القعود على الحالة المزرية، والرضا بالضيم، والتقلب على رمضاء الهموم والأحزان؛ وما هذه شيمة الأحرار الكرماء الذين لا يرضون بالدون، ولا تستهويهم حياة الهون، ولا يمدون أيديهم تسولاً إلى الناس لينالوا منهم المساعدة والعون. بل تراهم يسعون وراء لقمة العيش متوكلين على الله حالهم حال الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
إنهم لا يتألمون لوظيفة لم تأت، أو منحة لم تصل، أو فرصة لم تسنح لهم، كلا؛ بل هم الذين يرسمون المستقبل بريشة الإصرار واليقين بمعية الله وتوفيقه لهم، ويبنونه بسواعد البذل والعطاء، ويكتبون تاريخهم حافلاً بالإنجازات والمكاسب، ويسطرون بقلم الهمة والعزيمة أبهى معاني السعادة والسرور.
الحر الكريم لا يتنازل لمحقرات الأمور ولا يقترف سفسافها، ولا يخنع للضغوط أياً كان مصدرها ومنبعها، بل تراه يبحث عن مظانّ الحكمة ليتمثلها، وموارد الرفعة والشرف لينهل منها، هكذا تراه رافعاً هامته في تواضع، ثابت الخطا في سكينة وهدوء، ناظراً ببصيرته إلى الأفق البعيد، يرقب منه ضوء العزة والكرامة والشموخ.
حر وراء كل السدود والحواجز، وحر خلف كل المضايق والمزالق والمهالك التي ترصد في طريقه تحاول أن تكبح مسيرته، وتوهن من عزيمته وهمته، لكنه ماضٍ في طريقه لا يأبه بما تخبّئه الأيام؛ فقلبه مؤمن بقضاء الله وقدره، فما مضى فات، والمؤمل غيب.
كريم النفس تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان ألف خلة من الإساءة، فهو منشرح الصدر، واسع الأفق، لا يحمل في نفسه الأحقاد ولا الضغائن ولا الوساوس والشكوك في نيات الآخرين، سمح التعامل، نقي السريرة، طلق المحيا، لا تفارقه الابتسامة والبشر كلما لقي أخاً من إخوانه.
فهو أنموذج للتضحية والفداء، تراه سباقاً للخير والعطاء يسترخص النفس والمال في سبيل ما آمن به واعتقده حقاً صادقاً لا مرية فيه ولا لبس يعتريه، الحياة في عينيه صغيرة والدنيا في قلبه حقيرة، والجنة هي أمله وطموحه،، ورضا ربه ومولاه غاية أمنياته وأول أهدافه لا يعرف للكسل والتواني مكاناً، ولا للقعود لنيل المكارم سبيلاً، بل المغامرة دأبه، والمخاطرة الواعية المنضبطة ديدنه..
إن هذا الصنف من الناس قلّما تجده في هذا الزمان الذي اختلط الحابل فيه بالنابل، ووهنت فيه العزائم، وضعفت الهمم، وصار القعود أحب إلى النفوس من الجهاد، والعجز والكسل أقرب للجوارح من السعي والعمل، وتراكمت الأماني على المرء، فصارت رأس ماله، وبضاعة حياته، وإنتاجه الوهمي، فهو إلى الإفلاس أقرب منه إلى الغنى والنتاج، فالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.