* لم أزر لندن يوماً إلا وكانت لي زيارة إلى «مكتبة الساقي» لأحصد من أرفف العرض أحدث الكتب العربية... وهناك: كانت تستقبلني الأديبة الأكثر تهذيبا/ مي غصوب بابتسامتها النقية وهي شريكة في تأسيس وملكية هذه الدار، وأجد فنجان القهوة أمامي وحوار ممتع معها عن الإصدارات الجديدة، وعن المتغيرات التي حدثت في الإبداع الأدبي الحديث وكتابه.
كانت تحدثني عن حقوق المرأة ونشرت مجموعة قصص بأقلام نساء من بلدها لبنان.. ولها مسرحيات عرضت إحداها على مسرح لندني، وواصلت كتاباتها في صحيفة (الحياة).
* * *
* وبعد خروجي من مستشفى «رويال فري» اللندني: ترددت في الذهاب إلى مكتبة «الساقي» لشراء الكتب الجديدة، حتى لا أذكر دمعتي على العزيزة الراحلة «مي غصوب» التي فارقت الحياة في 17 شباط 2007، وقد بلغت الرابعة والخمسين بعد مرض قصير لم يمهلها كثيراً.
وكيف أدخل «مكتبة الساقي» ولا أجد «مي».. حتى الأخ/ أمين مسؤول المبيعات لم أجده، وقد تعودنا منه أن يقدم لنا أحدث الإصدارات.
هكذا سحبت قدمي معتنزاً على عكاز يعين ساقي على المشي، ودخلت المكتبة التي جللها الصمت، ورانت عليها الوحشة.. فلم أجد حتى الكتب الجديدة التي قرأنا في الصحف أخباراً عن صدورها وبيعها.
كانت «مي» ترحب بكل رواية جديدة لي أحملها إليها، وتقول لي:
- ستخضع للجنة، ولكن... أهلاً بك، لا يمكن التفريط فيك كاتباً رومانسياً صار إبداعك كنُدرة المطر في صحرائكم.... وطبعت لي روايتين، وقالت لي في زيارة إلى بيروت رأيتها فيها: روايتك تحقق مبيعات جيدة، أعدّ لنا رواية ثالثة... لكن الموت لم يمهلني معها فاختارها، لأشعر أن رواياتي الجديدة المعدة للطبع: باتت يتيمة!!
* * *
* ولفتت انتباهي رواية كتبتها «مي غصوب» أحسبها جاءت مسك الختام لأعمالها قبل رحيلها، وعنوانها: (وداعاً بيروت)، وصفتها: «ماغي جي» في مقدمتها بأنها «أكثر أعمال مي الأدبية تعبيراً عن أفكارها»، فقد تولهت بالحرية التي شاهدتها في لندن!!
وبعد مغادرتها بيروت إلى لندن، أرادت -كما كتبت- الانقلاب رأساً على عقب، والإصغاء إلى أناس يتحدثون بلغة مختلفة، قبل أن تتضح لها عبثية الحرب وفظاعتها.
لقد فقدت الكلمة العربية جندية مناضلة وحارسة لها.
* * *
* آخر الكلام:
* من كلمات/ ستيفان زويغ:
- انتهكت قوانين الدولة
واخترقت التقاليد والقيم الإنسانية
عندما ضرب بجميع القيم عرض الحائط!!