ويأتي خبر رحيل الجليل ذي الشعاع النادر ناصر المنقور.. وأحسب أني سمعت خطأ، أو تمنيت لو كنت سمعت الحديث الهاتفي خطأ! لا أعرف كيف بلعت حينها غصة حلقي لكنني شعرت للمرة الثانية شعوراً جربت وجعه منذ سنة وشهر.. شعور الواقف على حافة الهاوية وعينه عليها غشاوة من الدمع.. ورقبته يقبض عليها كف قوي الأصابع يزيد الضغط ويمر الوقت الوحشي المؤلم ما بين اختيارين كلاهما مرّ: إما الهاوية أو الخنق!! لحظات تعيش فيها الموت نفسه وليس تسمع عنه! وعرفت معنى القسوة في اللحظة حينما مررت بهاتين التجربتين الفادحتين: موت أبي رحمه الله، وموت ناصر المنقور رحمه الله، ولا أدعي لنفسي أكثر من حقها وأقول كان بمثابة أبي.. بل أقول مرارة فقدي له تشبه مرارة جرّبتها قبلاً أن تفقد (السند) ثم يهوي ظهرك إلى الوراء كأنما هو انكسر!! وأن تخلو حياتك من القناديل المضيئة ثم تسودها العتمة لتقف فيها كمن يقف في التيه!!
عرفتُ الرجل المشع نوراً ونبلاً وسناءً وبهاءً منذ زمن بعيد حين كنت لتوي أدخل عالم الورق والصحافة أكتب في صحفية (الرياض) صفحة بعنوان رسالة الحرف.. كان ذلك التاريخ ميلاداً جديداً لي نقلني من كينونة إلى كينونة أخرى.. ثم فوجئت ذات عصرية بمهاتفة تأتي منه من بعيد حيث كان خارج البلاد.. ولم يمنعه البعد من أن يسكب عطفه لينهمر في أذني وعلى مسامعي ويحييني كإحياء بذرة متعطشة لرشفة رواء!! جعلني حينها أحس بمعنى احتواء الكبار للصغار! كنتُ حبة الرمل على شاطئه الكبير لا تلوي على شيء وليس لها أي شيء.. وما كان يزعجه أن يلتفت إلى حبات الرمل! هناك فرق بين نجوم السماء والمحارات الصغيرة المتناثرة على الرمل وفرق بين الأشجار الضخمة والبراعم التي تتظلل تحتها! وفرق كبير بين البحر ونقطة على الأرض! وكانت ميزة ذلك الرجل الحاذق النقي الواسع الفهم أنه يملك قدرة فريدة من نوعها.. القدرة على طمس الفوارق بين الكائنات، والقدرة على احتواء أصغر الكائنات، كان ممكناً في ذلك الحين ألا يلتفت رجل باتساع حضور ناصر المنقور لواحدة مثلي.. لكنه أبى إلا أن يكون صاحب فضل. وأنت لا تتعرف على عظمة الرجال بقدرتهم على صناعة موقف مع الكبار بل تتعرف على عظمتهم بنظرتهم إلى الصغار! وكان هو بقامته الكبيرة لا يرى صغيراً على الأرض، ولا يطل على أحد من فوق! ولا يعتلي قمة جبل وغيره سفوح!! ناصر المنقور اليوم قد يكتب عنه ألمع الرجال وهو في غنى عني.. لكني لا أكتب عنه بما يعرفون هم عنه بل بما أعرفه عنه بوصفه رجلاً لم يكن نبله يخص الرجال فقط.. ولم تكن وطنيته حدودها تقف عند الرجال وحدهم. أكتب لأن رأفته بي ظننتها انتهت بخروجي من صحيفة «الرياض» التي كان أحد بُناتها وصنّاعها الماجدين... غير أنه أثبت لي عكس ذلك حين كان أول المعزين من الخارج بوفاة أبي ولم يتردد عن تكرار اتصاله حتى شد بي العزم على الوقوف مرة أخرى. إني والله أحن إلى عطفه كحنيني لعطف أبي.. جعل الله ظلمة قبره نوراً كما كان في حياته نوراً للكثيرين.. أحسن الله مثواه.. وعزائي لأسرته الكريمة ولنا معهم.
عرفتُ الرجل المشع نوراً ونبلاً وسناءً وبهاءً منذ زمن بعيد حين كنت لتوي أدخل عالم الورق والصحافة أكتب في صحفية (الرياض) صفحة بعنوان رسالة الحرف.. كان ذلك التاريخ ميلاداً جديداً لي نقلني من كينونة إلى كينونة أخرى.. ثم فوجئت ذات عصرية بمهاتفة تأتي منه من بعيد حيث كان خارج البلاد.. ولم يمنعه البعد من أن يسكب عطفه لينهمر في أذني وعلى مسامعي ويحييني كإحياء بذرة متعطشة لرشفة رواء!! جعلني حينها أحس بمعنى احتواء الكبار للصغار! كنتُ حبة الرمل على شاطئه الكبير لا تلوي على شيء وليس لها أي شيء.. وما كان يزعجه أن يلتفت إلى حبات الرمل! هناك فرق بين نجوم السماء والمحارات الصغيرة المتناثرة على الرمل وفرق بين الأشجار الضخمة والبراعم التي تتظلل تحتها! وفرق كبير بين البحر ونقطة على الأرض! وكانت ميزة ذلك الرجل الحاذق النقي الواسع الفهم أنه يملك قدرة فريدة من نوعها.. القدرة على طمس الفوارق بين الكائنات، والقدرة على احتواء أصغر الكائنات، كان ممكناً في ذلك الحين ألا يلتفت رجل باتساع حضور ناصر المنقور لواحدة مثلي.. لكنه أبى إلا أن يكون صاحب فضل. وأنت لا تتعرف على عظمة الرجال بقدرتهم على صناعة موقف مع الكبار بل تتعرف على عظمتهم بنظرتهم إلى الصغار! وكان هو بقامته الكبيرة لا يرى صغيراً على الأرض، ولا يطل على أحد من فوق! ولا يعتلي قمة جبل وغيره سفوح!! ناصر المنقور اليوم قد يكتب عنه ألمع الرجال وهو في غنى عني.. لكني لا أكتب عنه بما يعرفون هم عنه بل بما أعرفه عنه بوصفه رجلاً لم يكن نبله يخص الرجال فقط.. ولم تكن وطنيته حدودها تقف عند الرجال وحدهم. أكتب لأن رأفته بي ظننتها انتهت بخروجي من صحيفة «الرياض» التي كان أحد بُناتها وصنّاعها الماجدين... غير أنه أثبت لي عكس ذلك حين كان أول المعزين من الخارج بوفاة أبي ولم يتردد عن تكرار اتصاله حتى شد بي العزم على الوقوف مرة أخرى. إني والله أحن إلى عطفه كحنيني لعطف أبي.. جعل الله ظلمة قبره نوراً كما كان في حياته نوراً للكثيرين.. أحسن الله مثواه.. وعزائي لأسرته الكريمة ولنا معهم.