في مثل هذا اليوم من سبعٍ وثلاثين سنة وافقت كلٌ من مصر والأردن على مبادرة السلام التي تقدم بها وزير الخارجية الأمريكي، آنذاك، وليام روجرز، في محاولة لإنهاء حرب الاستنزاف التي استمرت سنةً ونصف السنة بين مصر وإسرائيل. يومها عقدت الدهشة لسان الكثير من المراقبين والسياسيين في المنطقة والعالم، عندما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الموافقة على المبادرة، بعد أن عاد لتوه من رحلة إلى الاتحاد السوفيتي، ليفاجأ أن نائبه، في ما بعد، الرئيس أنور السادات، قد رفض المبادرة وشن حملة دبلوماسية ودعائية على صاحب المبادرة والبلد الذي صدرت منها..!؟
الرئيس عبد الناصر كانت عنده حساباته الخاصة، التي دعته ان يفاجئ الجميع ويقبل بالمبادرة، بعد أن وصلت حرب الاستنزاف إلى مراحل تصعيدية متقدمة جداً تعدت خطوط الجبهة الأمامية على قناة السويس، لتبدأ إسرائيل بضرب العمق المصري في الدلتا والصعيد، الأمر الذي دفع عبد الناصر إلى طلب أطقم دفاعات جوية سوفيتية متحركة بطائراتها وطياريها تغطي العمق المصري، عندها بدأت الطائرات الإسرائيلية تتساقط.. وتتوقف غارات الطيران الإسرائيلي في العمق. الرئيس جمال عبد الناصر، ما كان له أن يقبل طويلاً بحل تكفل السوفيت بالدفاع عن العمق المصري، لأن ذلك يجرح في كل منطلقات الثورة المصرية الوطنية والقومية، في عهده.. وكان، في حاجة إلى وقت يمكنه من بناء خط دفاع صاروخي متقدم، على طول خط المواجهة في قناة السويس ليحول بين إٍسرائيل واستراتيجية الحرب النفسية التي لجأت إليها في المراحل الأخيرة من حرب الاستنزاف.
كان روجرز يمثل المدرسة الأخلاقية في الدبلوماسية الأمريكية، وكان حريصاً على أن يبدو وسيطاً نزيهاً في جهوده لاستمرار الهدنة بين مصر وإسرائيل. في كثير من الحالات، رفضت واشنطن مزاعم إسرائيل بخرق مصر لاتفاق وقف إطلاق النار، لأن تل أبيب اكتشفت، أن استمرار الهدنة في غير صالحها وقواتها على الضفة الشرقية لقناة السويس تشاهد الجهد الخارق للقوات المصرية في بناء حائط الصواريخ. لم يكن متصوراً، في ذلك الوقت استئناف القتال على نمط حرب الاستنزاف.. كما لم يكن متصوراً، أيضاً، أن تنجر مصر إلى محادثات مباشرة مع إسرائيل للتوصل إلى تسوية سلمية. الأخطر من ذلك، بالنسبة لإسرائيل، ليس احتمال نشوب حرب شاملة جديدة مع مصر والعرب، بقدر ما كان قد يتمخض عن انخراط أمريكي في دبلوماسية نشطة لمنع تجدد القتال، يقودها صاحب المبادرة وليام روجرز. وكان لابد من إحداث تغيير في مؤسسات صناعة السياسة الخارجية في واشنطن، ليأتي هنري كيسنجر الذي كان مستشاراً للرئيس نيكسون لشؤون الأمن القومي، إلى وزارة الخارجية.. ويخرج وليام روجرز، ومعه مبادرته... وقد كان. كذلك، فإن المبادرة اعتمدت في صياغتها وعرضها على قرار مجلس الأمن رقم: 242 لعام 1967، الذي أسس لمبدأ عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة.. ولم يفرض على الدول العربية إجراء محادثات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل.
درس آخر لقرار قبول مبادرة روجرز، أن مصر لم تكن تركن إلى حسن نوايا واشنطن في استتباب السلام في المنطقة، حتى مع وجود رجل حقوقي ينتمي إلى المدرسة المثالية الأخلاقية على رأس الدبلوماسية الأمريكية، مثل وليام روجرز. كان هناك شعورٌ طاغٍ في مصر، في ذلك الوقت، باحتمال تغير الموقف الأمريكي، في أي لحظة، بعد القبول بمبادرة روجرز، لذا لم يضيع المصريون أي وقت وشرعوا من أول دقيقة لسريان وقف إطلاق إلى بناء أطول وأعمق خط دفاع صاروخي شهده التاريخ، استعداداً لمواصلة القتال... وأيضاً استعداداً لبدء جهود جادة وفعلية لتطوير أية تسوية سلمية حقيقية في المنطقة. كان في ذلك الوقت، في مصر والدول العربية، قناعة أن ما أخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة... الرئيس عبد الناصر، عندما قبل مبادرة روجرز، كان في واقع الأمر يرسل رسالة إلى موسكو عبر واشنطن، بأن مصر مستعدة لإعادة النظر في تحالفاتها الدولية، إذا أصرت موسكو على موقفها بعدم تلبية طلبات السلاح المصرية. وكان أن قبول مصر لمبادرة روجرز دفع موسكو لتلبية كل طلبات الأسلحة التي فشل جمال عبد الناصر في الحصول إليها في رحلته الأخيرة إلى موسكو. في تاريخ حركة الصراع مع إسرائيل دروس ومواقف ومبادرات تطورت، نسي الكثيرون العبر المستفادة منها في عصر الزعم: بأن 99% من أوراق اللعبة بيد الأمريكيين. لم يكن الأمر كذلك في الماضي... وإلا ما كان نصر رمضان العربي الأول على إسرائيل، والغرب من ورائها.