يتملكك شعور بالرهبة والخوف.. عندما تعلم ان تلك القطع البيضاء التي تسير عليها.. ليست سوى بقايا عظام آدمية لعشرات الآلاف من البشر الذين احرقهم ملك ظالم هنا في هذا المكان.. في واحدة من أكبر مجازر التاريخ الانساني بشاعة.. لانها عظام أصحاب الاخدود الذين ذكرهم الله في كتابه العزيز.. ومدينة الاخدود الاثرية.. احد اهم ملامح التاريخ الانساني ليس في منطقة الربع الخالي وحسب ولكن على مستوى العالم اجمع الا انها لم تلق الاهتمام الذي يليق بها ويوازي اهميتها التاريخية والثقافية حتى الآن.. وذلك بسبب ثقافة الخوف لدى البعض من ان تمارس الشركيات والبدع. او ان تعظم آثار الكفار.. حيث كانت وما تزال بعض فتاوى العلماء المسلمين ليس في المملكة وحسب بل في معظم البلاد الاسلامية تطرح في مضمونها تحريم الاهتمام او الاستثمار السياحي للآثار ذات الطبيعة الدينية..مما ساهم في اهمالها رغم ماتمثله من قيمة تاريخية وثقافية واقتصادية بالغة الاهمية.. وتعتبر رافدا هاما لدعم الاقتصاد الوطني من خلال الاستثمار السياحي المنظم والمدروس لهذه الآثار.. والمراقب جيدا لتبديد مخاوف المتخوفين من تعظيمها.. بدلا من تعطيلها وإهمالها.
المدينة المدفونة
ومدينة الأخدود الأثرية الظاهرة للعيان الآن لا تمثل اكثر من 25% من حجم المدينة الاصلية التي مازال مايقارب 75% منها مدفونا تحت الرمال..
هذا ما اكده لـ”عكاظ” صالح بن محمد آل مريح مدير ادارة الآثار والمتاحف بمنطقة نجران مشيرا الى ان اعمال التنقيب عن الاجزاء المدفونة من المدينة الاثرية مازالت تجري ولكن على استحياء حيث يقوم بها على فترات متقطعة عدد من الطلاب السعوديين الدارسين في اقسام الآثار في الجامعات السعودية، والذين يؤكد آل مريح انهم يقومون بأعمال التنقيب في مدينة الاخدود بطرق علمية دقيقة، وانهم اظهروا براعة توازي في جودتها براعة وكفاءة البعثات العلمية، الا ان آثارا بحجم مدينة الاخدود واهميتها التاريخية الكبيرة تحتاج الى جهود اكبر وإلى عدد باحثين اكثر والى اشراف دائم من متخصصين وعلماء يتابعون على مدار الساعة كافة أعمال التنقيب التي تجري في المدينة، وان ترصد لها ميزانية ضخمة تكفي لانجاز كل هذه الاعمال وتوفر الخبرات والامكانيات اللازمة لاعمال التنقيب والابحاث واعدادها للاستثمار العلمي والبحثي والسياحي مستقبلا.
آثار 25 مليون عام
تضم صحراء الربع الخالي عددا من المواقع الاثرية التي يعود بعضها للعصر الحجري وسط الصحراء ومن الآثار النادرة الموجودة في الربع الخالي المدافن العائلية الموجودة في يبرين، والتي تعود للعصر البرونزي، ومدينة الاخدود الاثرية التي يعود تاريخها الى 500 عام قبل الميلاد.
وقد تجولنا في مدينة الاخدود الاثرية وشملت الجولة زيارة لمتحف متكامل يحكي بما فيه من مقتنيات اثرية ثمينة ونادرة قصة مدينة الاخدود الاثرية التي شهدت واحدة من ابشع مجازر الابادة الجماعية في التاريخ الانساني والمتحف الذي رتبت قاعاته بشكل منظم وجميل يضاهي اجمل المتاحف الاثرية في كثير من دول العالم، ويضم الكثير من المقتنيات الاثرية التي جمعتها البعثات الاثرية على مدى سنوات طويلة من البحث والتنقيب في مجاهل صحراء الربع الخالي، بما فيها اسنة رماح وسكاكين حجرية عثرت عليها بعثات التنقيب في قلب صحراء الربع الخالي.
واكد آل مريح لـ”عكاظ” ان هذه الآثار الحجرية تعود الى العصر الحجري، ويعود عمرها الى 25 مليون عام مشيرا الى ان تحت كثبان صحراء الربع الخالي الكثير من الكنوز الاثرية لحضارات انسانية عديدة ودول بائدة مازالت تنتظر ان يتم الكشف عنها وتكثيف البعثات العلمية للتنقيب عنها وتتطلب جهودا هائلة وميزانيات ضخمة لانجاز مهمة بهذا الحجم ولكنها تستحق ان لا نبخل عليها بشيء، وان نبادر بكشف غموض واسرار هذه الصحراء العظيمة الزاخرة بالاسرار والآثار التي سيؤدي الكشف عنها الى اعادة قراءة التاريخ من جديد، فبالرغم من الرحلات الاستكشافية التي عبرتها الا انها مازالت احد اكبر المناطق المجهولة في العالم.
من الوكالة الى السياحة
ويضيف آل مريح: في العصر الحديث في عهد الدولة السعودية قامت الدولة ممثلة في وكالة الآثار والمتاحف باتخاذ عدة خطوات لحماية آثار الاخدود بعمل سور يحمي المدينة الاثرية بمسافة خمسة كيلو مترات وتعيين حراسات عليها وبناء المتحف بجوار مدينة الاخدود اضافة الى التركيز على البحث العلمي ونشر كل مايخص المدينة الاثرية وبذلت الوكالة جهودا مشكورة وفق الامكانيات التي كانت متاحة لها طيلة فترة اشرافها على آثار المملكة ولكن الأمل المعقود على الهيئة العليا للسياحة كبير جدا ونتوقع ان تعيد الهيئة احياء الآثار السعودية وعدمها وتنظيمها وتهيئتها لتكون صالحة لاستثمارها سياحيا، وتكثيف عمل بعثات التنقيب عن الآثار التي لم يكشف عنها بعد.
واشار آل مريح الى وجود دراسة حاليا لترميم مباني الاخدود وتجهيزها لاستقبال الوفود السياحية بالتنسيق بين امارة منطقة نجران ووكالة الآثار والمتاحف والهيئة العليا للسياحة.
عبير حددت عمر الاخدود
اثناء شرح مدير الآثار عن الابحاث والدراسات التي تمت على الاخدود أشار الى اهمية رسالة ماجستير قامت بها باحثة سعودية قبل عدة سنوات تمكنت من خلالها تحديد عمر الآثار بدقة لأول مرة في تاريخ المدينة الأثرية باستخدام الكربون14 وأشارت عينات الكربون 14 التي تم اختيارها ان منطقة القلعة كان فيها استيطان سكاني قبل 500 عام قبل الميلاد حتى عام 250 م. ووصف آل مريح الدراسة بانها الأهم حتى الآن ولم يكن يتوقع المفاجأة ان تكون هذه الباحثة التي يتحدث عنها وهي الدكتورة عبير الحربي استاذة الفيزياء النووية بقسم الفيزياء بكلية التربية بالرياض، انما هي الشقيقة الصغرى للدكتور محمد الحربي الشخص الذي يقف أمامه ويتحدث إليه عن بحثها.