المصادفات التاريخية التي حالت دون وصول اللصوص إلى مقبرة توت عنخ آمون لنحو 3274 عاما دفعت بالفرعون الصغير إلى صدارة المشهد في مصر القديمة لينافس في الشهرة ملوكا بارزين مثل تحتمس الثالث ورمسيس الثاني.
ويجد قاريء كتاب (الملك الذهبي) للأثري المصري زاهي حواس إجابة عن معظم الأسئلة المتعلقة بالفرعون الشاب وأهم مقتنيات مقبرته إضافة إلى بانوراما لعصر الإمبراطورية المصرية (نحو 1567-1085 قبل الميلاد) التي تأسست كحكم وطني بعد طرد الغزاة الهكسوس على يد سقنن رع تاعا الثاني وابنيه كامس وأحمس الذي «قاد حرب التحرير العظمى ونجح في طرد المحتلين» وكان أول حاكم في الأسرة الثامنة عشرة.
ويشير حواس إلى أن نظام الحكم حين يكون قويا فإن حدود الأمن المصري تصبح أبعد من جغرافيا البلاد فعلى سبيل المثال قام تحتمس الثالث الذي حكم في النصف الأول من القرن الخامس عشر قبل الميلاد بتأمين الحدود الجنوبية لمصر كما أمن الحدود الشمالية واستطاع الجيش المصري عبور نهر الفرات. ثم قاد خليفته أمنحتب الثاني الذي حكم بين عامي 1450 و1425 قبل الميلاد «حملات عسكرية نحو سوريا وفلسطين» أسهمت في إرساء حكم الإمبراطورية.
ويضيف في الكتاب الذي يصدر في طبعة فاخرة بالقاهرة عن (الدار المصرية اللبنانية) أن أمنحتب الثالث الذي حكم بين عامي 1417 و1379 قبل الميلاد كانت له سبع زوجات من سوريا وبابل وممالك آسيوية أخرى دليلا على الولاء للتاج المصري مشيرا إلى أن الخطابات الرسمية من أمراء تلك الممالك كانت مكتوبة بلهجة «خانعة حيث كانوا ينعتون الملك (المصري) بيا سيدي. يا إلهي. يا إله الشمس» كما كانت هداياهم إليه عبيدا يافعين وعربات فضية بجيادها.
ويحمل الكتاب عنوانا فرعيا هو (عالم توت عنخ آمون) وصممه بأناقة عبدالخالق صبحي ويبلغ 167 صفحة كبيرة القطع وهو بصوره الملونة أقرب إلى متحف إذ يضم عشرات الصور للوحات وتماثيل ملوك وملكات إضافة إلى مقتنيات عثر عليها في مقبرة توت التي يعتبرها أثريون أعظم كشف أثري في التاريخ وكانت حديث العالم حين اكتشفت في منطقة وادي الملوك بالأقصر على بعد نحو 690 كيلومترا جنوبي القاهرة في نوفمبر عام 1922 وبها أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية.
ويقول حواس إن مقبرة توت التي تتكون من أربع حجرات صغيرة والتي جهزت «بسرعة لدفن الملك» استغرق تنظيفها وتسجيل ما بها من قطع أثرية عشر سنوات.
وفي الكتاب تفاصيل دقيقة للمقبرة وطبيعة محتوياتها حتى بقايا جرار للجعة رأى علماء بريطانيون بعد دراستها أن «الجعة المصرية كانت تحتوي على نسبة كحول أعلى من جعة اليوم».
ويضيف أن معظم مقابر وادي الملوك تعرضت للسرقة التي يعتبرها احترافا قديما «كانت عملية سرقة الكنوز المصرية ترجع لأكثر من خمسة آلاف عام» مشيرا إلى زيادة عمليات السرقة في فترة الرعامسة في الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين (نحو 1320-1085 قبل الميلاد).
وقادت مصادفة سقوط شاه في شق صخري عام 1871 أحد أفراد أسرة عبد الرسول لاكتشاف ممر يضم توابيت ملكية لأبرز ملوك الإمبراطورية واستمر نهبها عشر سنوات وكانت موضوعا لفيلم (المومياء) لشادي عبد السلام ثم انتقلت هذه المومياوات إلى القاهرة عبر نهر النيل. ويقول حواس إن مفتش الآثار لم يتمكن من إدخالها إلى جمرك القاهرة إذ لا يوجد بند ينص على إدخال مومياوات «فدخل ملوك مصر العظماء المدينة كأسماك مملحة».
ويفسر حواس وهو الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بمصر نجاة المقبرة من اللصوص الذين سرقوا مقابر ملكية سابقة أو تالية بأن توت «مسح من صفحات التاريخ على يد خلفائه» حيث تولى الحكم صبيا في مرحلة اضطراب سياسي وديني بعد فشل ثورة فرعون التوحيد أمنحتب الرابع الشهير باخناتون الذي حكم البلاد تقريبا بين عامي 1379 و1362 قبل الميلاد وغير ديانة آمون إلى ديانة آتون التي يرمز لها بقرص الشمس ونقل عاصمة الدولة إلى أخيتاتون (تل العمارنة) شمالي العاصمة التقليدية طيبة (الأقصر).
ويرجح حواس أن يكون توت عنخ آمون تربى في القصر الملكي بتل العمارنة خلال حكم اخناتون وكان اسمه آنذاك (توت عنخ آتون) مشيرا إلى أنه أصبح ملكا في سن التاسعة تقريبا وأن كهنة آمون بطيبة «جعلوه يعيد الرب آمون إلى مكانته السابقة كرب عالمي لمصر وإهمال عقيدة آتون» وانتقل البلاط الملكي من العمارنة وتزوج الملك ابنة اخناتون ونفرتيتي «عنخ أس أن با آتون» وتغير المقطع الأخير من اسم الزوجة إلى آمون.
ويضيف أن توت خطط لتشييد مقبرة ضخمة في وادي الملوك لكنه لم يملك الفرصة لإتمامها ودفن في مقبرة صغيرة محفورة في الصخر «لم تكن مصممة لمكانة ملك» وانتهى العمل في تلك المقبرة وزخرفتها خلال سبعين يوما هي فترة إعداد المومياء وتزيينها بنحو 143 قطعة من تمائم ومجوهرات أغلبها ذهبية لكن «العديد من الأغراض الموجودة في المقبرة قد أعدت لدفنات ملكية أخرى ثم ذهبت لاستخدامه هو».