في أي نظام إقليمي تكون هناك دول مركزية لها تأثير كبير في التفاعلات السياسية يتجاوز حدودها الإقليمية. مرد هذه الأهمية غالباً ما يرجع إلى حجم الدول العسكري أو الاقتصادي أو الجغرافي أو الإيديولوجي. في الوطن العربي, تلعب مصر والسعودية دوراً محورياً في صنع السياسة الإقليمية مقارنةً بغيرها من دول المنطقة, وينظر إليهما, حتى من قبل الدول الكبرى, على أنهما قوتان رئيسيتان في معالجة الكثير من القضايا والملفات الإقليمية العالقة. وعندما يكون لدولتين هذا الحجم والتأثير فمن الطبيعي أن يكون بينهما تنافس أيضاً, لكن في حدود ضيقة عطفاً على التنسيق الكبير والتكامل الواضح بين الدورين السعودي والمصري.
في النصف الأول من القرن الماضي, كانت الدول العربية في بداية تكوينها السياسي وكان هناك توافق بين النظامين الملكيين في الرياض والقاهرة, خاصةً في ظل طموح العراق للقيادة الإقليمية وما كان يدور من مخططات للوحدة بين العراق وبلاد الشام تحت الحكم الهاشمي. لكن بعد حدوث الثورة عام 1952م بدأت الأمور تتغير نتيجة الاختلاف في التوجهات الإيديولوجية بين الدولتين. مع أن هذا لم يمنعهما من التعاون وتنسيق سياستهما الخارجية. لكن المواقف بدأت تتباعد شيئاً فشيئاً مع تزايد هجوم عبدالناصر على الوجود الأجنبي في المنطقة, رغم أن الرياض بقيت معظم عقد الخمسينات على توافق مع مصر, كما في رفضهما لحلف بغداد عام 1955م ودعم المملكة لمصر في أزمة قناة السويس بعد ذلك بسنة. لكن قبول الرياض لمبدأ الرئيس الأمريكي آيزنهاور عام 1957م, الموجه ضد التمدد الشيوعي والدول المناصرة له جعل المواقف بين الدولتين تتباعد تدريجياً, إضافة إلى تبلور الصورة السياسية في بلاد الشام والعراق حيث تكونت أنظمة سياسية جمهورية سلكت أحياناً نهجاً مستقلاً وخاصاً بها.
مع تزايد ثقل عبدالناصر في العالم العربي وهجومه على الدول المحافظة تزايد البون بين الدولتين, ووصل إلى حد القطيعة عام 1962م. استمر التهديد القومي الناصري للأنظمة المحافظة حتى هزيمة 67 وعقد قمة الخرطوم ودعم الدول النفطية لدول المواجهة. هنا بدأ الثقل السياسي السعودي واضحاً في السياسة العربية, وبعد وفاة عبدالناصر عام 1970م بدأت العلاقات المصرية السعودية تشهد مزيداً من التحسن وبدأ يتشكل المثلث السعودي-السوري-المصري, ودعمت المملكة سوريا ومصر وتجلى ذلك بشكل أكبر في حرب 73م, لكن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير, حيث لم تجد الرياض مناصاً من المضي قدما مع الموقف العربي المنادي بإخراج مصر من الصف العربي وتعليق عضويتها في جامعة الدول العربية على إثر قرارات القمة العربية التي عقدت في بغداد عام 1978م. هنا بدأ العراق يطمح للقيادة الإقليمية وكان هناك تقارب بين الرياض وبغداد حتمه واقع الحال السياسي, خاصةً مع قدوم الثورة الايرانية واندلاع الحرب بين العراق وإيران. لكن طول مدة الحرب وغزو إسرائيل للبنان ومن ثم غزو الكويت 1990م, جميع هذه الأحداث عجلت بعودة مصر لمكانها الطبيعي كدولة مركزية في النظام الإقليمي العربي.
منذ ذلك الوقت لا يزال الدور السعودي المصري واضحاً وبارزاً في معالجة القضايا العالقة, بل إن التنسيق والتكامل بين الدورين أمر لا يمكن إنكاره, رغم ما يثار أحياناً من زوبعة صحفية حول توتر في العلاقات بين الدولتين. القيادتان السعودية والمصرية تدركان أن الوضع الدولي والإقليمي (بعد احتلال العراق وتزايد النفوذ الايراني) يحتم عليهما تقارباً أكثر, ويعزز نزعة الدولتين لمزيد من التنسيق في السياسة الخارجية, وسوف يكون هذا التقارب الإيجابي هو المسيطر على سياستيهما الخارجية في المدى المنظور.
knhabbas@hotmail.com
في النصف الأول من القرن الماضي, كانت الدول العربية في بداية تكوينها السياسي وكان هناك توافق بين النظامين الملكيين في الرياض والقاهرة, خاصةً في ظل طموح العراق للقيادة الإقليمية وما كان يدور من مخططات للوحدة بين العراق وبلاد الشام تحت الحكم الهاشمي. لكن بعد حدوث الثورة عام 1952م بدأت الأمور تتغير نتيجة الاختلاف في التوجهات الإيديولوجية بين الدولتين. مع أن هذا لم يمنعهما من التعاون وتنسيق سياستهما الخارجية. لكن المواقف بدأت تتباعد شيئاً فشيئاً مع تزايد هجوم عبدالناصر على الوجود الأجنبي في المنطقة, رغم أن الرياض بقيت معظم عقد الخمسينات على توافق مع مصر, كما في رفضهما لحلف بغداد عام 1955م ودعم المملكة لمصر في أزمة قناة السويس بعد ذلك بسنة. لكن قبول الرياض لمبدأ الرئيس الأمريكي آيزنهاور عام 1957م, الموجه ضد التمدد الشيوعي والدول المناصرة له جعل المواقف بين الدولتين تتباعد تدريجياً, إضافة إلى تبلور الصورة السياسية في بلاد الشام والعراق حيث تكونت أنظمة سياسية جمهورية سلكت أحياناً نهجاً مستقلاً وخاصاً بها.
مع تزايد ثقل عبدالناصر في العالم العربي وهجومه على الدول المحافظة تزايد البون بين الدولتين, ووصل إلى حد القطيعة عام 1962م. استمر التهديد القومي الناصري للأنظمة المحافظة حتى هزيمة 67 وعقد قمة الخرطوم ودعم الدول النفطية لدول المواجهة. هنا بدأ الثقل السياسي السعودي واضحاً في السياسة العربية, وبعد وفاة عبدالناصر عام 1970م بدأت العلاقات المصرية السعودية تشهد مزيداً من التحسن وبدأ يتشكل المثلث السعودي-السوري-المصري, ودعمت المملكة سوريا ومصر وتجلى ذلك بشكل أكبر في حرب 73م, لكن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير, حيث لم تجد الرياض مناصاً من المضي قدما مع الموقف العربي المنادي بإخراج مصر من الصف العربي وتعليق عضويتها في جامعة الدول العربية على إثر قرارات القمة العربية التي عقدت في بغداد عام 1978م. هنا بدأ العراق يطمح للقيادة الإقليمية وكان هناك تقارب بين الرياض وبغداد حتمه واقع الحال السياسي, خاصةً مع قدوم الثورة الايرانية واندلاع الحرب بين العراق وإيران. لكن طول مدة الحرب وغزو إسرائيل للبنان ومن ثم غزو الكويت 1990م, جميع هذه الأحداث عجلت بعودة مصر لمكانها الطبيعي كدولة مركزية في النظام الإقليمي العربي.
منذ ذلك الوقت لا يزال الدور السعودي المصري واضحاً وبارزاً في معالجة القضايا العالقة, بل إن التنسيق والتكامل بين الدورين أمر لا يمكن إنكاره, رغم ما يثار أحياناً من زوبعة صحفية حول توتر في العلاقات بين الدولتين. القيادتان السعودية والمصرية تدركان أن الوضع الدولي والإقليمي (بعد احتلال العراق وتزايد النفوذ الايراني) يحتم عليهما تقارباً أكثر, ويعزز نزعة الدولتين لمزيد من التنسيق في السياسة الخارجية, وسوف يكون هذا التقارب الإيجابي هو المسيطر على سياستيهما الخارجية في المدى المنظور.
knhabbas@hotmail.com