هذا كلام لا (يودِّي) ولا (يجيب).. ولا يضر ولا ينفع.. تحمله الريح لجهات الدنيا الأربع.. يرتطم بآذان الحيطان ويرجع..! انه كلام في الريح.. فماذا تأخذ الريح من البلاط؟!
كنت أعرف أننا في الشارع.. نجلس على أريكة (افرنجية) وثيرة، من تلك التي يستلقي عليها القياصرة.. تبادلنا حديثاً مفعماً بالود.
حركة الناس والسيارات تحيط بأريكتنا الوثيرة.. والأضواء تغمرنا كأنها كشافات لتصوير مشهد سينمائي (سيريالي) كتلك التي يرسمها السيد (سلفادور دالي) حتى لكأنك ترى شاربه (المدبب) يهتز مطاولاً أحد أبراج الهاتف المحمول.
الناس لا يهتمون لأريكة (القيصر) و(كيلوباترا) مع انها تتوسط الشارع العام، فأين ذهب فضول الناس!!
*****
ما كانت (كليوباترا) تحفل بمن راح وجاء!
كل الناس هنا..
فالشارع لكل الناس.. اخيار وأشرار.. تجار وشطار.. فعلة وسفلة.. بيض يتدحرج على بعضه..
مزيج غريب عجيب.. محموم بالرغبة في كل شيء.. وفي لا شيء.. كأنه مضروب في (الخلاط)!
****
(طائر صغير) وقف على ظهر المقعد الوثير.. تردد لبعض الوقت ثم بدأ يلامس ذراع (كيلوباترا).. خُيَّل إليّ انها ستشعر بحركته، لكنها لم تلتفت.. كأن هذا الذي يحدث لا يعنيها.. أو هو مألوف لديها..
أحيانا أفكارنا (المحلقة) تفصلنا عن (الأرض) فنفلت من الجاذبية!
ظل الطائر الصغير يتطاول بعنقه ليحرك (القرط) بمنقاره.. وكان بريق القرط المتدلي يومض في مواجهة الضوء كلما ضحكت (كيلوباترا)!
بدت ألوان (العصفور) زاهية تحت وميض القرط.. قطعة ملابس سقطت من منشر غسيل سكان الدور الثاني.. استقرت عند قدمي (كيلوباترا).. ودخل نصفها الأدنى في (موكب الألوان)..
أرعدت.. وأومض البرق.. ثم أمطرت.. مساحات زجاج السيارات تتقافز يمنة ويسرة.. ومنبهاتها تصطخب.
من حول الأريكة ينسكب الماء ولا يلامسها..
ذراع (كيلوباترا) ظل جافا.. ولا يزال الطائر الصغير يتطاول للقرط!
مرَّرت أصابعها على ذراعها وابتسمت..
خفق جناحا الطائر.. بدا للوهلة الأولى مبتلاً من المطر..
*****
وبالحركة (البطيئة) نهضت..
وبالحركة البطيئة (أيضا) كانت تعبر الشارع متلفتة الى الخلف لمرتين.. أو ثلاث.. ربما (أكثر)!
*****
(الألوان) عبرت من محيط (الأريكة) الى الشارع.. والعمارات.. والمحلات.. والسيارات.. وملابس الناس.. حتى الأسفلت ما عاد (أسود) بعد المطر..!
*****
تحلَّق الناس حو (الأريكة)..
قال أحدهم: مجنون.. يجلس على أريكة في وسط الشارع..
وقال آخر: يظن الشارع بيت أبيه!!
وقال (أوسطهم): أتركوه.. هذا جار السيدة (كيلوباترا)
جُن لمصرعها.. واستبسل في الدفاع عن (شجرة الدر) في موقعة (القباقيب)!
حملوا (الأريكة) على اكتافهم.. وصاح أحدهم:
- وحدوووه..