في كل صيف يتكرر المنظر الذي لا تراه إلا هنا: شباب وعائلات لا حصر لهم تتخذ من الأرصفة أمكنة تفترشها لتقضي على باطنها الملتهب، سويعات ليل يمتلئ بالهواء الساخن والغبار وعوادم السيارات، ومُحوّلة تلك الافتراشات القاسية إلى ملاعب ومطاعم ومقاهٍ، تزكم الأنوف بروائح (الفاست فوود) والطبيخ والمعسل، أما رئة انسان الأرصفة العجيب فقصتها قصة مع احتراقات الوقود القاتل.
منظر يبعث على الحزن، لوعة على الحياة الاجتماعية المحلية والبيئة.. وعليك، لكنك بعد كل تلك الدهشة وحركات التأفف والاستنكار، وبعد سيل داخلي من الأسئلة تعود فتعطي العذر كل العذر لمساكين صيف الأرصفة، لن ترى مهما سافرت او ارتحلت مثلما يفعلون هنا. شخصياً.. لا أفرح كلما فتحتُ صحيفة «الصباح» لأجد أخبار المدن الجديدة، ولا أنباء حجر الأساس لناطحات السحاب، وما يتردّد عن صفقات اندماج وبيع وشراء. ما يفرحني أكثر عندما أقرأ عن الاهتمام بالانسان البسيط الذي لا يكاد يغادر مكان عمله أو دراسته إلا ويجد في البيت (صراخ) الصغار والملاسنات اليومية بين أفراد عائلته المزدحمين بين جدران ساخنة تخلو من النقش وأرفف الكتب وأقفاص الطير المغرد.
العائد والمنتظر الضجر كلهم لا مكان لهم إلا تلك الأرصفة بسخامها وعفونتها، انهم لا يجدون حدائق بمفهوم الحدائق ذات الأنشطة المتعددة، ولا الأماكن الرياضية التي تمارس فيها الهواية بمفهومها الواسع والعملي، ولا أماكن للفنون الراقية، ولا صالات لاكتشاف روائع المبدعين.. هذا للشباب أما للفتيات فإن الكلام عنهن يطول ويُؤلم! دائرة من الشتات النفسي تكوّنها ضغوطات الحياة اليومية، ونسق اجتماعي يُبالغ في القسوة على نفسه وعلى بنيه، اضافة لاهمال مُستغرب ممن ستعود عليهم تلك الدوائر القهرية بشباب يحمل قنبلة أو ابرة مخدرة.. إن سَلِمَ من سقطات المستغلين لغرائزه الأخرى.
.... سيقول أحدهم انك تُبالغ!
لقد قيلت تلك المُهوّنات من الكلمات وأشباهها عندما بدأت ظواهر تعاطي المخدرات ثم ظواهر الإرهاب، الذي تم تصديره واستيراده لهذه البلاد الطيبة، ثم ظواهر السرقات والانتحار والجرائم بأنواعها.. ثم ماذا؟
بالطبع الكثير من (ناس) الأرصفة مثاليون وأقرب إلى الوسطية السلوكية، لكن هذا الكثير وتلك القلّة لهم علينا واجبات: تدعيم الخير وانقاذ من يريد الشر بنفسه ومجتمعه، ولن يحدث هذا و(الكل) الواقع عليه خسران الطرفين يتجاهل حق الإنسان في وجود أماكن لقضاء وقت الفراغ واللهو غير المفسد، أماكن لن نعود إلى وصفها سوى أن تكون الأرصفة وزواريب الشوارع!
.. أبداً لن تكون المقاهي والمطاعم المُترفة غالية السعر هي الحلول المناسبة لمثل هكذا مشاكل، والأكيد كذلك أن خراطيم المعسل بديل بالغ السوء للموضوع الذي نناقشه، أما السفر إلى كل بلاد الدنيا فمطلب عزيز فقط للمنتظرين في الخارج ولشركات السفر و السياحة ومصدري البطاقات الذهبية والفضية.
ما الحل؟!
نقول: تفعيل كل بنود خطط التنمية الكثيرة التي أشارت إلى برامج التنمية الاجتماعية، وأيضاً مبادرات طموحة هدفها الإنسان وصحته النفسية والاجتماعية من قِبل القطاعين العام والخاص، على المدى القصير سيكون الصرف على هذا الإنسان السوي الحائر أو الذي شرع في الضياع، سيكون الصرف هائلاً ومؤلماً، لكن وعلى المدى الطويل ستكون النتائج عظيمة جداً ولا تُقاس بثمن وبذل مستمر.. قد يُخصص لشؤون أقل أهمية ونِتاجا.
وأنا أكتب عن هذه المشكلة تذكرت -ولا أدري لماذا؟- هذه الأسطر التي أنقلها مما ورد في كتاب عن أرض داغستان.. فقط يجب ان نستبدل الشجرة هنا بالإنسان.
«تنتصب الشجرة خمسة أشهر مغطاة بالخضرة، إنما يكفيها نهار واحد، وليل واحد حتى تصفّر أوراقها، عكس ذلك، قد تنتصب الشجرة خمسة أشهر عارية وسوداء كالفحم، ويكفيها صباح واحد نديّ مُشرق ودافئ حتى تكتسي بالخضرة.. يكفيها صباح بهيج واحد كي تُزهو».
حالنا مع إنسان الأرصفة ينطبق عليه أي المثاليين الشاعريين؟
فضلا راجع عنوان المقال!
منظر يبعث على الحزن، لوعة على الحياة الاجتماعية المحلية والبيئة.. وعليك، لكنك بعد كل تلك الدهشة وحركات التأفف والاستنكار، وبعد سيل داخلي من الأسئلة تعود فتعطي العذر كل العذر لمساكين صيف الأرصفة، لن ترى مهما سافرت او ارتحلت مثلما يفعلون هنا. شخصياً.. لا أفرح كلما فتحتُ صحيفة «الصباح» لأجد أخبار المدن الجديدة، ولا أنباء حجر الأساس لناطحات السحاب، وما يتردّد عن صفقات اندماج وبيع وشراء. ما يفرحني أكثر عندما أقرأ عن الاهتمام بالانسان البسيط الذي لا يكاد يغادر مكان عمله أو دراسته إلا ويجد في البيت (صراخ) الصغار والملاسنات اليومية بين أفراد عائلته المزدحمين بين جدران ساخنة تخلو من النقش وأرفف الكتب وأقفاص الطير المغرد.
العائد والمنتظر الضجر كلهم لا مكان لهم إلا تلك الأرصفة بسخامها وعفونتها، انهم لا يجدون حدائق بمفهوم الحدائق ذات الأنشطة المتعددة، ولا الأماكن الرياضية التي تمارس فيها الهواية بمفهومها الواسع والعملي، ولا أماكن للفنون الراقية، ولا صالات لاكتشاف روائع المبدعين.. هذا للشباب أما للفتيات فإن الكلام عنهن يطول ويُؤلم! دائرة من الشتات النفسي تكوّنها ضغوطات الحياة اليومية، ونسق اجتماعي يُبالغ في القسوة على نفسه وعلى بنيه، اضافة لاهمال مُستغرب ممن ستعود عليهم تلك الدوائر القهرية بشباب يحمل قنبلة أو ابرة مخدرة.. إن سَلِمَ من سقطات المستغلين لغرائزه الأخرى.
.... سيقول أحدهم انك تُبالغ!
لقد قيلت تلك المُهوّنات من الكلمات وأشباهها عندما بدأت ظواهر تعاطي المخدرات ثم ظواهر الإرهاب، الذي تم تصديره واستيراده لهذه البلاد الطيبة، ثم ظواهر السرقات والانتحار والجرائم بأنواعها.. ثم ماذا؟
بالطبع الكثير من (ناس) الأرصفة مثاليون وأقرب إلى الوسطية السلوكية، لكن هذا الكثير وتلك القلّة لهم علينا واجبات: تدعيم الخير وانقاذ من يريد الشر بنفسه ومجتمعه، ولن يحدث هذا و(الكل) الواقع عليه خسران الطرفين يتجاهل حق الإنسان في وجود أماكن لقضاء وقت الفراغ واللهو غير المفسد، أماكن لن نعود إلى وصفها سوى أن تكون الأرصفة وزواريب الشوارع!
.. أبداً لن تكون المقاهي والمطاعم المُترفة غالية السعر هي الحلول المناسبة لمثل هكذا مشاكل، والأكيد كذلك أن خراطيم المعسل بديل بالغ السوء للموضوع الذي نناقشه، أما السفر إلى كل بلاد الدنيا فمطلب عزيز فقط للمنتظرين في الخارج ولشركات السفر و السياحة ومصدري البطاقات الذهبية والفضية.
ما الحل؟!
نقول: تفعيل كل بنود خطط التنمية الكثيرة التي أشارت إلى برامج التنمية الاجتماعية، وأيضاً مبادرات طموحة هدفها الإنسان وصحته النفسية والاجتماعية من قِبل القطاعين العام والخاص، على المدى القصير سيكون الصرف على هذا الإنسان السوي الحائر أو الذي شرع في الضياع، سيكون الصرف هائلاً ومؤلماً، لكن وعلى المدى الطويل ستكون النتائج عظيمة جداً ولا تُقاس بثمن وبذل مستمر.. قد يُخصص لشؤون أقل أهمية ونِتاجا.
وأنا أكتب عن هذه المشكلة تذكرت -ولا أدري لماذا؟- هذه الأسطر التي أنقلها مما ورد في كتاب عن أرض داغستان.. فقط يجب ان نستبدل الشجرة هنا بالإنسان.
«تنتصب الشجرة خمسة أشهر مغطاة بالخضرة، إنما يكفيها نهار واحد، وليل واحد حتى تصفّر أوراقها، عكس ذلك، قد تنتصب الشجرة خمسة أشهر عارية وسوداء كالفحم، ويكفيها صباح واحد نديّ مُشرق ودافئ حتى تكتسي بالخضرة.. يكفيها صباح بهيج واحد كي تُزهو».
حالنا مع إنسان الأرصفة ينطبق عليه أي المثاليين الشاعريين؟
فضلا راجع عنوان المقال!