تحدثنا في الحلقة السابقة عن ان السادات كان على علم كامل بالتخطيط لمحاولة اغتياله لكنه صمم على الذهاب الى العرض العسكري رغم تحذير الوزير النبوي اسماعيل له بعدم الذهاب كما انه رفض ان يأخذ ساترا خلال اطلاق خالد الاسلامبولي النار عليه. وفي هذه الحلقة نتعرف على كيف كان يخطط الارهابيون لنسف منصة الرئيس بطائرة ورفض السادات ارتداء القميص الواقي من الرصاص في هذا اليوم كما يحدثنا النبوي عن مشاهدة السادات لبروفة اغتياله على شريط فيديو.
بدأت عناصر الارهاب تكثف جهودها للتخطيط لاغتيال السادات قبل عدة اشهر من اصداره لقرارات سبتمبر ومن بعدها وتم اطلاع الرئيس على هذه المخططات بما في ذلك رسوم كروكية وأشرطة فيديو تصور عمليات التخطيط لاغتياله الا انه صمم على تحديهم و قام بزيارات للمحافظات في قطارات وسيارات مكشوفة ووجه تهديدا مباشرا لعبود الزمر وقمت بتحذير السادات من الذهاب الى العرض العسكري إلا انه صمم ورفض ارتداء القميص الواقي فكانت عملية اغتياله.
وقد مرت عملية الاستفتاء على تولي النائب حسني مبارك لرئاسة مصر بكل سلام وهدوء ولاقت إقبالا غير مسبوق من الجماهير، لأن شعب مصر اعتاد أن يتجاوز الازمات بشهامة واقتدار وإحساس بالمسؤولية، حيث أكد المواطنون ثقتهم الكاملة في مبارك بعدما تابعوا عمله كنائب للرئيس عدة سنوات، وتعرفوا على شخصيته وقدراته منذ قيامه بالضربة الجوية الأولى التي كانت مفتاحا لنصر أكتوبر عندما كان قائدا للقوات الجوية.
وتبين بعد ذلك من التحقيقات مع الارهابين مرتكبي حادث اغتيال الرئيس السادات وكذلك قيادات تنظيم الجهاد أنهم كانوا قد خططوا لاغتياله أثناء توجهه الى مؤتمر للحزب الوطني في جامعة القاهرة، ولكن كثافة الأمن حالت دون ارتكابهم لمخططهم بمهاجمة الركب الذي كان يسير فيه كما خططوا أيضا لاغتياله في استراحة القناطر الخيرية التي كان يؤثر الإقامة بها من حين لآخر، إلا أنهم اكتشفوا أن هناك عدداً من نقاط التفتيش على طول الطريق، حيث يتم تفتيش أية سيارة أو أفراد يحاولون دخول المنطقة وبالتالي كان من المستحيل تنفيذ مخططهم على هذا النحو.
وذكر عبود الزمر في حديث مع الكاتب الصحفي محمود فوزي أنهم كانوا فكروا في الاستعانة بضابط في القوات الجوية كان عضوا في التنظيم، وكان من المقرر أن يشترك في العرض العسكري بحيث يهاجم المنصة بالطائرة، إلا أنه تم تكليفه بمهمة أخرى فلم يشارك في العرض فاستعانوا عندئذ بالضابط خالد الاسلامبولي لتنفيذ عملية الاغتيال على النحو الذي تمت به.
وأعترف المتهمون أيضا بأنهم فكروا في ارتداء ملابس عمال بناء ليصعدوا إحدى العمارات التي يتم بناؤها لضرب الجنازة أثناء سيرها ولكنهم فوجئوا بوجود قوات أمن كبيرة تؤمن مختلف العمارات على مر طريق الجنازة كما ذكروا في التحقيقات أن مجموعات منهم توجهت الى مبنى الإذاعة والتلفزيون ليعلنوا بمساعدة مذيع من التنظيم يدعى البلتاجي بيان إعلان الثورة ويذكرون فيه خلافا للواقع أنهم يحظون بتأييد ومساندة من بعض الجهات في الداخل والخارج، إلا أنهم وجدوا قوات قوية من الشرطة والحرس الجمهوري فانصرفوا دون عمل أي شيء.
ويردد البعض خلافا للحقيقة والواقع وعلى غير سند أن قرارات التحفظ التي صدرت في سبتمبر 1981 كانت السبب وراء اغتيال السادات وهذا الأمر يجافي الواقع، إذ تبين أنه بعد ضبط قيادات تنظيم الجهاد أنهم كانوا يخططون لاغتيال الرئيس السادات في 26 يوليو 1981 أثناء حضوره احتفال في الإسكندرية في ذكرى خروج الملك فاروق من مصر، ولكنهم لم يستطيعوا تدبير الاسلحة اللازمة لهذه العملية، بما يعني أنهم كانوا يخططون قبل صدور هذه القرارات بعدة أشهر، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الاسلحة التي حاولوا بعد ذلك شراءها، وكما ذكرت من قبل تم تصوير أحد عناصرهم بالصوت والصورة، وهو يقول لمن يشتري منهم السلاح: إنه سيغتال به الرئيس وتم إرسال شريط الفيديو الذي يصور اللقاء للسادات.
رفض ارتداء القميص الواقي
وكنت قد قمت من جانبي بأداء واجبي في ضوء ما كان متوافرا لدي من معلومات بتحذير الرئيس ليلة العرض من خطورة الموقف إلا أنه صمم على الذهاب إلى العرض، إلى جانب أن عددا من مرافقيه عرضوا عليه ارتداء القميص الواقي من الرصاص، فرفض ذلك أيضا، رغم أن هذا القميص كان يمكن أن يحمي صدره حتى الرقبة واسفله حتى أدنى الخصيتين ولو كان قد ارتداه لجنبه الطلقة التي أصابته في الشريان الرئوي وكانت سببا رئيسيا في الوفاة.
كما رفض الرئيس السادات محاولات الحرس لإنزاله لاسفل الساتر الخرساني الذي كان أمامه في المنصة، وقام بمخاطبة خالد الاسلامبولي ليمنعه من توجيه الضربات عليه، إلى جانب أن أحد عناصرنا المزروع بداخل التنظيم قام بإبلاغ أجهزة الأمن نقلا عن قيادات التنظيم بأن حدثا هاما سيحدث في المنصة، وطلبوا منه البقاء في منزله في انتظار تعليمات من التنظيم، حيث تبين بعد ذلك أنهم كانوا يخططون للقيام ببعض العمليات عقب حادث المنصة، فتوجه هذا المصدر إلى الضابط المختص بتلقي المعلومات منه، ولكنه لم يكن في مكتبه، بل كان في مرور، فانتظره حتى حضر لمكتبه وأبلغه بالمعلومات، فأبلغ الضابط رؤساءه بذلك والذين سعوا لإبلاغي بذلك في المنصة، ولكن تعذر الاتصال عن طريق اللاسلكي لعدم وجود أيه سيارة للشرطة داخل منطقة العرض، فأرسلوا لي أحد الضباط بمذكرة كتابية بهذا الشأن ليسلمها لي في المنصة، ولكنه عندما وصل الى منطقة العرض منعته الكردونات الموجودة في المنطقة من الدخول، حيث أكدوا له أنه عقب دخول الرئيس لمقر العرض لا يسمح لاحد بالدخول أو الخروج منه.
ولو كانت هذه المذكرة قد وصلت لي قبل العرض وأبلغت بها الرئيس السادات، فأنا أثق في انه لم يكن ليغادر العرض، لأنه بخبرته يقدر أن بعض معلومات المصادر قد تكون خاطئة أو مبالغا فيها، إلى جانب أن تركه للعرض سيكون أمرا غير مقبول بالنسبة اليه في ضوء جسارته وجرأته.
ويزعم البعض خلافا للحقيقة ايضا أن هذه الرسالة وصلتني قبل العرض، وهذا أمر غير صحيح ويؤكد موضوع هذه الرسالة على أمر مهم وهو نجاح جهاز مباحث أمن الدولة فى اختراق التنظيم وأنه حتى آخر لحظة كان لدينا معلومات عن مخططات التنظيم وعزمهم اغتيال السادات في المنصة ما يدل على يقظة جهاز الأمن المصري.
نجاح أمني رغم ما حدث
وقد نجحت أجهزة الأمن نجاحا ساحقا في التصدي لكل المؤامرات التي تعرضت لها مصر في أعقاب زيارة الرئيس للقدس التي فتحت على مصر جبهات عدائية من جبهة الرفض المناهضة لعملية السلام المصرية الاسرائيلية، ومنظمات الارهاب المحلية والإقليمية والدولية التي تم شراؤها وأنفقوا عليها الملايين، وتم توجيه مخططات لاغتيالات داخل مصر وتفجير للمنشآت الحيوية، وإحداث حرائق، ونسف بعض المنشآت والمرافق، وباءت كلها بالفشل، وضبط أصحابها والتي كان من أشهرها محاولة نسف مجمع التحرير ووزارة الخارجية ومبنى الإذاعة والتلفزيون، وكذلك احبطت محاولة إرهابي من أحد الأقطار العربية لتفجير مبنى التليفزيون أثناء إلقاء السادات خطاب في عيد العمال فى أول مايو عام 1980، باستخدام جهاز تسجيل بداخله مفرقعات كان ينوي الدخول به إلى المبنى، منتحلا صفة مذيع، ليفجر المبنى ويقتل ويصيب من فيه.
كما أحبطت أجهزة الأمن أيضا محاولة أخرى قامت بها مجموعة إرهابية استأجرت شقة مجاورة لمنزل السادات واستقدمت لهذا الغرض تليسكوب وبندقية وبعض الطلقات مخبأة داخل سيارة وصلت إلى ميناء الإسكندرية قادمة من إيطاليا، حيث تم تفتيش السيارة في ميناء الإسكندرية بمعرفة المحامي العام للنيابة العام 1981 وتم إجهاض هذا المخطط كما تبين من معاينة السيارة انهم كانوا قد وضعوا الأسلحة في التابلوه، بينما قاموا بوضع طلقات مسممة في مكان خزان الوقود. وتم هذا التخطيط بمعرفة عملاء لدولة عربية كانت معادية لمصر بشدة بسبب توقيعها لاتفاقية السلام. ونجحت مباحث أمن الدولة في إجهاض مخططهم، وقام الرئيس بنفسه بمناظرة البندقية والطلقات المضبوطة بداخل السيارة، حيث أرسلتها له في المعمورة بناء على طلبه، وكان متألما للغاية وقال لزوجته السيدة جيهان: شوفي عايزين يعملوا فيا إيه؟ وهذه الطلقات المسممة لو أصابتني في جسدي ستؤدي بحياتي.
كما القت أجهزة الأمن القبض على عملاء لأحدى الدول الإسلامية كانوا يخططون لإشعال حرائق في عدد من سيارات نقل الوقود في مختلف محافظات مصر باستخدام مواد كيماوية، بهدف إصابة الشعب المصري بحالات من الذعر وعدم الطمأنينة. كما أجهضت مخططا للعناصر المضادة للاعتداء على السفير الاسرائيلي لدى مصر أثناء توجهه لتسليم أوراق اعتماده، حيث فشل مخططهم في ضوء ما تبين لهم من وجود أمني مكثف طوال فترة انتقاله من مقره إلى قصر عابدين.
وبعدما تم نقل السلطة بطريقة هادئة إلى الرئيس حسني مبارك واستقرار الأمور في مصر بصفحة جديدة فتحها الرئيس مع قوى المعارضة الذين افرج عنهم فور توليه منصبه ورأيت انه من واجبي أن اترك منصبي وأتيح للرئيس مبارك أن ينجح في إيجاد مناخ جديد في علاقاته بصفة عامة داخل البلد وبينه وبين قوى المعارضة بصفة خاصة وان يتم تجاوز مرحلة قرارات سبتمبر وانتهاء التوتر الذي جاء بعد اتفاقية كامب دافيد ومعاهدة السلام التي كانت سببا في قرارات سبتمبر عندما سعت اسرائيل في التلكؤ في عملية الانسحاب تحت ذريعة أن الشعب المصري رافض للسلام فاضطر السادات إلى اعتقال هؤلاء الاشخاص لحين تحرير الارض في 25 إبريل ليتم الافراج عنهم جميعا.

لقاء مع الرئيس مبارك
والتقيت بالرئيس مبارك الذي كنت اعرفه جيدا وسبق لي التعامل معه عن قرب واعرف انه يقدر الرجال الذين يعملون معه ويعرف قيمة جهدهم وطلبت إليه أن اترك منصبي فعارضني في البداية وعندما الحيت عليه قال لي إذا كنت قد شعرت بمشقة من عناء عملك في الداخلية فيمكنك أن تجد موقعا آخر وطلبني الدكتور فؤاد محي الدين وبحثت معه الأمر وقال لي أن المحافظين يشعر كل منهم بأنه رئيس جمهورية كما قال لهم الرئيس السادات والحكم المحلي امر مهم وانا لدي مهام كبيرة كرئيس للوزراء وارى توليك مهام وزارة الحكم المحلي لتتولى الاشراف على المحافظين وبالفعل صدر قرار جمهوري في يناير 1982 بتعييني نائبا لرئيس الوزراء ورئيسا للجنة الوزارية للخدمات ووزيرا للحكم المحلي.
وكنت صادقا عندما طلبت أن اترك وزارة الداخلية ولم اكن أزايد على أي امر خصوصاً وان رحلة عملي في وزارة الداخلية على مدى 37 عاما كانت شاقة منذ أن كنت ملازم ثان وحتى تركت عملى كنائب رئيس وزراء ووزير الداخلية ولم اشعر بطعم النوم الهادىء وطيلة هذه الفترة لم اعرف معنى الراحة من منطلق احساسي بالمسؤولية وكانت كلها رحلة معاناة وتضحية كبيرة لمصالحي الشخصية وببيتي واولادي.
ولا انسى ما قاله لي الرئيس مبارك عندما قلت له إنني أريد أن اترك منصبي فقال لي إنني اعرف أن تكلمني في عمل وانجازات في كل يوم ولحظة ولكن أن تحدثني في انك تريد ترك منصبك فلن أقابلك أو أرد على تليفوناتك ولا انسى هذه المشاعر النبيلة من الرئيس مبارك تجاهي وتمسكه بي.
وجاء تعديل وزاري آخر في سبتمبر 1982 فأعدت الكرّة بإلحاح لان اترك منصبي بالحكم المحلي وطلبت من رئيس الوزراء أن يعاونني في ذلك وحتى آخر دقيقة من صدور التعديل كرر لي اقتراحه ببقائي في منصبي ومع اصراري تمت الموافقة على تركي للوزارة وقمت على الفور بأداء ركعتي شكر لله وتفرغت للراحة والاستمتاع بالحياة وسط اسرتي وابنائي واحفادي الذين بعدت عنهم كثيرا بسبب ظروف وطبيعة عملي.
اعداء الجماعات الارهابية
وقد اعتبرت الجماعات الإرهابية المتطرفة أن كل من تصدى لها بالفكر وبالقانون بمثابة عدو لها ينبغي تصفيته ودليلي على ذلك أنهم حاولوا اغتيال الصحفيين والكتاب مثل مكرم محمد احمد واغتالوا فرج فوده وحاولوا اغتيال نجيب محفوظ وسبق لهم اغتيال المرحوم الدكتور حسين الذهبي وزير الأوقاف الاسبق كما حاولوا اغتيال وزراء الداخلية المتعاقبين وفي مقدمتهم أنا والمرحوم حسن أبو باشا ثم المرحوم زكي بدر ثم المرحوم عبد الحليم موسى ثم حسن الالفي وذلك لاننا تصدينا لهم وقمنا بأداء الواجب الوطني المنوط بنا في حماية أمن الوطن وانطلاقا من فهمي الجيد بسيكولوجية عناصر الارهاب كنت أتوقع انهم سيحاولون اغتيالي حتى منذ أن كنت في الوزارة حتى إنني اذكر أن الرئيس حسني مبارك عندما كان نائبا للرئيس وأثناء قدومه من الولايات المتحدة قبل العرض العسكري مباشرة كنت في استقباله في المطار وعرض عليّ أن اركب معه سيارته فرفضت وقلت له أنا مرصود من الجماعات الإرهابية واخشى أن ينتظرونني في طريق العودة وأفضل أن تتوجه سيادتك في سيارتك بمفردك.