* ما بال «الشاعر» في وجدان وأعماق/ غازي القصيبي يعلو منه صوت الحزن، وما يشبه الزهد، حتى كأن حميمية الحلم تتحول إلى انقباض نفسي.. بينما الذروة في شعر/ غازي ليست في التراجيديا، وهو يلوذ بصوره الشعرية إلى الشفافية وشغف الحب إلى درجة الوله؟!
هذه هي أبعاد الديوان الجديد (حديقة الغروب) لشاعر جزائر اللؤلؤ الذي تابعناه في دواوينه الجديدة: يرثي الأحباب وينسج الحزن من أنفاسه وآهاته... لم يعد ضوء القمر ولا وصوصة النجوم، ولا انبلاج الفجر يدفئه أحد منهم، وكأنه استنبت للموت نشوة تتصاعد من بين أضلعه تحمل أصداء مَنْ رحلوا من الأحباب.
لم تتساقط دموع من قصائده الجديدة وكأنه يصور الدموع التي تقطِّرها الضلوع، وتفترس ما تبقَّى من الفرح... وإذا كان البعض يحس أن الشعر خلاص، فإن لغة وصور الشاعر/ غازي القصيبي هي من لغات الوجدان والشجن التي برع الشاعر في الارتقاء بها من الذاتية إلى الإنسانية، أو صنع منهما هذا المزيج من المراثي التي تعلو فوق مأزق القافية، كأن كل قصيدة قادرة على تخليص الوجدان من معاناته!!
* * *
* إن قصائد «حديقة الغروب» تُشكِّل مراثي للأحباب الراحلين، بدءاً من العمر في خمس وستين/ في أجفان إعصار، وختاماً بوداع الصديق رفيق الدرب الذي لا يتكرر/ يوسف الشيراوي.. يسأله بدمعة الفراق ووحشة الحياة بلا أحباب، وعطش الذكريات:
- أمليح هذا الردى، أم فظيع
ومرير، أم طعمه معسول؟!
زمَّلتني صور هذا الشاعر، حتى شعرت أن أحداً يتحدث عن (الغاية) حتى في الحب، وفي (خواتم) أنسي الحاج لوحة مزج فيها بين الكلمة والرؤيا فقال: (يتأزم الزمن فتصفو الكلمة/ يتأزم الزمن والكلمة فماذا يصفو)؟!
وينسكب صوت شاعرنا في حدائه الحزين مردداً: (يتفرَّق الأحباب، ترحل نشوة الأطياب، يخبو سامر الأصحاب/ أحتضن الوجوه وأغمس الأقلام في الدمع المجمد/ أكتب الشعر العقيم)!!
ولعل الشاعر قد خضع لتسلط الـ«خمس وستين» فجعل هذه القصيدة بوابة يلج منها القارئ إلى: حديقة الغروب!
وفي هذه اللوحة اعتزاز الشاعر بخطوات عمره التي لخصها لرفيقة دربه:
- إن ساءلوك فقولي: لم أبع قلمي
ولم أُدنِّس بسوق الزيف أفكاري!!
* * *
* إن شعر/ غازي القصيبي لا يستسلم للعقم، وإن قدَّم هذه المائدة من دموع.. في موسم من الأحزان لا ينوي الرحيل!!
وإن حاول -في إهداء نسخة من ديوانه لي- أن يتمسك بالتفاؤل، وأن يعبر عن الحياة بنظرة الذي يقول لحبيبته:
- وتفتقدينني، ويضجّ حضن/ طواني أمس في العشق الرؤوم
سنندم إذ تُفرقنا الليالي / وهل تأتي الندامة بالنديم؟!
* * *
* آخر الكلام:
* من «حديقة الغروب»:
- نعمت بحلم رُمْته، ليس ينقضي
سلام على الحلم الذي يتبدد!!