تطل على مشهدنا الثقافي وجوه صحوية كدنا ننساها، تمارس كذبها وتدليسها تلوي عنق الآيات والأحاديث بما يوافق مسألتها بعواطف مقصودة توقعهم في الوهم الذي يعيشونه أو الذي يسعون إليه.
سوق عكاظ حرص أبناء المؤسس على بعثه من مرقده باعتباره جسرا يربط ماضي هذه الأمة بحاضرها ومستقبل أيامها مسهما في مشروع النهضة السعودية برؤيتها المستقبلية. في دورته الأخيرة تمخض الصحويون فاتهموا هذا السوق والقائمين عليه بالحنين إلى عصر الجاهلية والعودة إليه مما يترتب عليه مفاسد كثيرة في حقد وتجن على الآخرين وكراهة الثقافة وكل ما يمت إليها بصلة واعتبارها رجسا من عمل الشيطان، وأنه سوق حرام دون أن يأتوا بدليل يوضح لماذا هو حرام؟ نسوا (أن الحلال والحرام حكمان شرعيان لا بد لهما من نص صريح واضح لا يدخله أي احتمال)، وعندما أعوزتهم الحجة ونقصهم الدليل راحوا يتكئون على ذم الآخرين والتشكيك بإسلامهم يروجون للكراهية والفتنة والتحريض وبث الشر ومناصرة الغلاة وإصدار الفتاوى التكفيرية، رغم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام شهد عكاظ وسمع موعظة قس بن ساعدة وظل يذكرها مرددا كأني أنظر إليه في عكاظ على جمل له أورق وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه، يرحم الله قسا إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده. ولو كان (السوق) حراما لبينه عليه الصلاة والسلام في وقتها، فأهل الأصول قالوا لنا وهم أصدق من أهل الصحوة (إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة) فالسوق كان في الجاهلية واستمر في الإسلام ولم يقل أحد بحرمانيته إلا أصحاب الفكر المريض والعقول التي عشش فيها نسيج الجهل وخيوط الضلال، واستمرارا لسوق عكاظ ظهرت في الإسلام أسواق أخرى، زيد عليها ما استجد في دنيا العرب بفضل الإسلام ولغة القرآن واختلاط الثقافات والفتوحات، وقد شهدت المرأة سوق عكاظ شاعرة وراوية وكان الرجل يأتي ببناته لتزويجهن والرجال يأتون ليختاروا من يتزوجون منهن. وقد دعا رسول الله لضباعة بنت عامر في سوق عكاظ عندما منعت عنه أذى بجرة القشيري وقالت يا آل عامر أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم ولا أحد يمنعه. فقاموا إلى بجرة يلطمونه على وجهه وصدره ورسول الله يقول: «اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء..». وكانت خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات من رواد سوق عكاظ استوقفت عمر بن الخطاب في خلافته فتقول: إيه يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تزع الصبيان بعصاك فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين.
يقول سيدنا عمر (العرب سادة الإسلام) وتعني أصله ومعدنه وقوامه، فهل كان سيدنا عمر يحن إلى الجاهلية ويتفاخر بالقومية العربية، كما يتهم الصحويون بأن من يحيي سوق عكاظ إنما يحيي القومية العربية دون الإسلام. إن عرب الجاهلية كانوا على قدر كبير من الثقافة والمعرفة وقد أبقى الإسلام على الكثير من عباداتهم بعد أن طهرها من مظاهر الشرك وشوائب الجاهلية. كانوا يعظمون البيت الحرام رغم أنه كان لديهم (21) كعبة في جزيرة العرب ولكن أجمعوا على تقديس كعبة واحدة في مكة والحج إليها، حتى أن الرجل كان يرى قاتل أبيه في البيت الحرام فلا يمسه بسوء فجاء القرآن موافقا لفعلهم بقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) وليس كمن يدعي الإسلام اليوم ويفجر في حرمه ومساجده. كما كانوا يحجون في شهر ذي الحجة إلى مكة ويقومون بالمناسك وارتداء الإحرام وسوق الهدي والوقوف بعرفة ومنها إلى مزدلفة والتوجه إلى منى ورمي الجمرات والطواف حول الكعبة، ويسمون اليوم الثامن يوم التروية وأيام منى أيام التشريق، وقد أقرها الإسلام جميعها، كما أقر بعضا من عاداتهم وتقاليدهم وتمم نبي الرحمة بعض مكارم أخلاقهم.
كانوا يعظمون الأشهر الحرم، وقد أبقى الإسلام على هذا التعظيم بقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام)، وكانوا يقدسون شهر رمضان، وكان عبدالمطلب يتحنث في غار حراء ويشد مئزره ويأمر بإطعام المساكين، وكانوا يعظمون شعائر الله. وقد حرم بعضهم على نفسه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وكانوا يختتنون ويغتسلون من الجنابة، كما كانوا يستخدمون الرقية على مرضاهم، وقد طلب رسول الله من الشفاء بنت عبدالله أن تعلم زوجته حفصة الرقية.
كما عرف الجاهليون الشورى وحرمة النسب والدية، والتجارة والبيع والشراء وكانت لهم مواسم للأدب وإلقاء الشعر، ولم يكونوا مجموعة من الظلاميين والجهلة. يكفي أن الله خاطبهم وجادلهم في مسائل الخلق والبعث والنشور وخلق السماوات والأرض. فليمض عكاظ برعاية الفيصل يستحضر روح المكان وهيبة الزمان.
nyamanie@hotmail.com
سوق عكاظ حرص أبناء المؤسس على بعثه من مرقده باعتباره جسرا يربط ماضي هذه الأمة بحاضرها ومستقبل أيامها مسهما في مشروع النهضة السعودية برؤيتها المستقبلية. في دورته الأخيرة تمخض الصحويون فاتهموا هذا السوق والقائمين عليه بالحنين إلى عصر الجاهلية والعودة إليه مما يترتب عليه مفاسد كثيرة في حقد وتجن على الآخرين وكراهة الثقافة وكل ما يمت إليها بصلة واعتبارها رجسا من عمل الشيطان، وأنه سوق حرام دون أن يأتوا بدليل يوضح لماذا هو حرام؟ نسوا (أن الحلال والحرام حكمان شرعيان لا بد لهما من نص صريح واضح لا يدخله أي احتمال)، وعندما أعوزتهم الحجة ونقصهم الدليل راحوا يتكئون على ذم الآخرين والتشكيك بإسلامهم يروجون للكراهية والفتنة والتحريض وبث الشر ومناصرة الغلاة وإصدار الفتاوى التكفيرية، رغم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام شهد عكاظ وسمع موعظة قس بن ساعدة وظل يذكرها مرددا كأني أنظر إليه في عكاظ على جمل له أورق وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه، يرحم الله قسا إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده. ولو كان (السوق) حراما لبينه عليه الصلاة والسلام في وقتها، فأهل الأصول قالوا لنا وهم أصدق من أهل الصحوة (إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة) فالسوق كان في الجاهلية واستمر في الإسلام ولم يقل أحد بحرمانيته إلا أصحاب الفكر المريض والعقول التي عشش فيها نسيج الجهل وخيوط الضلال، واستمرارا لسوق عكاظ ظهرت في الإسلام أسواق أخرى، زيد عليها ما استجد في دنيا العرب بفضل الإسلام ولغة القرآن واختلاط الثقافات والفتوحات، وقد شهدت المرأة سوق عكاظ شاعرة وراوية وكان الرجل يأتي ببناته لتزويجهن والرجال يأتون ليختاروا من يتزوجون منهن. وقد دعا رسول الله لضباعة بنت عامر في سوق عكاظ عندما منعت عنه أذى بجرة القشيري وقالت يا آل عامر أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم ولا أحد يمنعه. فقاموا إلى بجرة يلطمونه على وجهه وصدره ورسول الله يقول: «اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء..». وكانت خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات من رواد سوق عكاظ استوقفت عمر بن الخطاب في خلافته فتقول: إيه يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تزع الصبيان بعصاك فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين.
يقول سيدنا عمر (العرب سادة الإسلام) وتعني أصله ومعدنه وقوامه، فهل كان سيدنا عمر يحن إلى الجاهلية ويتفاخر بالقومية العربية، كما يتهم الصحويون بأن من يحيي سوق عكاظ إنما يحيي القومية العربية دون الإسلام. إن عرب الجاهلية كانوا على قدر كبير من الثقافة والمعرفة وقد أبقى الإسلام على الكثير من عباداتهم بعد أن طهرها من مظاهر الشرك وشوائب الجاهلية. كانوا يعظمون البيت الحرام رغم أنه كان لديهم (21) كعبة في جزيرة العرب ولكن أجمعوا على تقديس كعبة واحدة في مكة والحج إليها، حتى أن الرجل كان يرى قاتل أبيه في البيت الحرام فلا يمسه بسوء فجاء القرآن موافقا لفعلهم بقوله تعالى: (ومن دخله كان آمنا) وليس كمن يدعي الإسلام اليوم ويفجر في حرمه ومساجده. كما كانوا يحجون في شهر ذي الحجة إلى مكة ويقومون بالمناسك وارتداء الإحرام وسوق الهدي والوقوف بعرفة ومنها إلى مزدلفة والتوجه إلى منى ورمي الجمرات والطواف حول الكعبة، ويسمون اليوم الثامن يوم التروية وأيام منى أيام التشريق، وقد أقرها الإسلام جميعها، كما أقر بعضا من عاداتهم وتقاليدهم وتمم نبي الرحمة بعض مكارم أخلاقهم.
كانوا يعظمون الأشهر الحرم، وقد أبقى الإسلام على هذا التعظيم بقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام)، وكانوا يقدسون شهر رمضان، وكان عبدالمطلب يتحنث في غار حراء ويشد مئزره ويأمر بإطعام المساكين، وكانوا يعظمون شعائر الله. وقد حرم بعضهم على نفسه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وكانوا يختتنون ويغتسلون من الجنابة، كما كانوا يستخدمون الرقية على مرضاهم، وقد طلب رسول الله من الشفاء بنت عبدالله أن تعلم زوجته حفصة الرقية.
كما عرف الجاهليون الشورى وحرمة النسب والدية، والتجارة والبيع والشراء وكانت لهم مواسم للأدب وإلقاء الشعر، ولم يكونوا مجموعة من الظلاميين والجهلة. يكفي أن الله خاطبهم وجادلهم في مسائل الخلق والبعث والنشور وخلق السماوات والأرض. فليمض عكاظ برعاية الفيصل يستحضر روح المكان وهيبة الزمان.
nyamanie@hotmail.com