ذاكرة كابل (5)
صناعة الموت في مضافة بن لادن
محمد الضويحي (*)
وصلنا إلى مدينة بيشاور الباكستانية، هنا يبدو على ملامح الناس التعب والإنهاك، والعربات التي تجرها الخيول المنهكة مازالت تؤدي دورها كوسيلة مواصلات متاحة لمن لا يملك المال لركوب سيارات الأجرة، نمخر عباب شوارعها التعيسة والمزدحمة باللاجئين الذين شردهم الوجع والفقر والحرب في أفغانستان، هذه المدينة مكتظة كقلب ممتلئ بالفقد تعج بالحركة والأسواق والباعة المتجولين وبكثير من أبخرة عادمات سيارات الديزل وكأنها رئة مدخن منهكة، مازلت اذكر شارع عبدالله رود وسوق صدر بازار الشعبي.
اقتربنا إلى مضافة أسامة بن لادن، وتسمى في ذلك الوقت بيت الأنصار، وهو مكان تجمع المجاهدين قبل توجههم إلى ساحات القتال ومعسكرات التدريب، هذا المكان يعتبر بمثابة الخط الثالث لجبهات القتال، ويقع في أحد الأحياء التي تبدو أحسن حالا من بقية أحياء تلك المدينة الحالمة، توقفنا عند بوابة فيلا كبيرة تحيطها الأشجار ويقف على بوابتها حارسا أمن مسلحان، وبعد إجراءات الدخول والتأكد من جوازات سفرنا واستلامها منا ووضعها في صندوق الأمانات لديهم أذن لنا بالدخول، ترجلت من الباص ونزلنا في المضافة وأنا أحمل في داخلي أمنيات أوشكت أن تتحقق، أسير على طول سورها الممتد وبين كنف أشجار راسخة تحكي الكثير في صمت وشموخ.
أترقب المكان وأسير نحو بوابتها العامرة وبينما أنا في ذهول خطواتي الأولى، إذا بصوت أحد مسؤولي المضافة من شباب الجهاد يقطع حبل أفكاري ويرحب بنا قائلا بإمكانكم الاستراحة في الداخل اعتبروا المكان مكانكم حتى يحين وقت مغادرتكم لأفغانستان، دخلنا المضافة التي تبدو لي كخلية نحل، لكنها هادئة، ومباشرة أخذت أتأمل المكان وساكنيه وأريد أن أجلس مع كل من فيها ليحكي لي قصة بطولة شهدها بنفسه، كان المكان ممتلئا بضجيج المعارك الصامتة في قلوب كل من يأتي إليه، والجميع مستعد لموعد انطلاقته للجبهة، وآخرون للتو عادوا من جبهات القتال ينتظرون موعد الأفول إلى بلدانهم محملين بأمل العودة وبأشياء أخرى من الصعب أن يفهمها أي أحد سوى من غبر أقدامه في وغى تلك الديار الأبية، وامتلأ صدره وعقله بكبرياء المجد، لقد كان منظر المجاهدين بحد ذاته محرضا بلباسهم القندهاري الفاتن ومحياهم الباسم وأرواحهم الواثبة بالعز والشموخ، كان كل ذلك بالنسبة لي سحرا وفتنة.
أخذت أتأمل في جنبات الغرف الكبيرة ووجدت كثيرا من مجلات الجهاد وكتب الجهاد وشدني كتاب (وعد كيسنجر) لسفر الحوالي -شفاه الله- وكتابه الوعد الحق والوعد المفترى ومجلة السنة لمحمد بن سرور زين العابدين وكتاب آيات الرحمن لعبدالله عزام وكتاب الكواشف الجلية في تكفير الحكومة السعودية.. كانت في متناول الجميع وبأكثر من نسخة، والجميع متاح له أن يقرأ بينما ينتظر موعد انطلاقته حيث الوجهة التي يريدها.
كان كتاب الحوالي ممنوعا في السعودية، كذلك مجلة السنة، وفرصة أن أقرأها، خصوصا أن الأول كان يحكي عن حرب الخليج ووجهة نظر من يرفض التدخل الأمريكي في المنطقة في حرب غيرت ملامح الشرق وعن خطر الاستعانة بأمريكا، قلبت تلك الكتب المطروحة بفضول وقرأت ما تيسر لي حتى غالبني النعاس بعد رحلة طويلة وشاقة وطلبت من المشرفين الذين يعملون على تنسيق الرحلات لداخل أفغانستان أن يسجلوا اسمي ضمن من يريد التوجه إلى معسكر الفاروق الذي يشرف عليه أسامة بن لادن شخصيا ويعتبر الأكثر شهرة وشراسة في عالم التدريب العسكري في أفغانستان، وهو أيضا وكما ذكرت عنه bbc في تقرير لها أنه يخرّج جنوداً بمثابة قوات كوماندوز، وكنت بشغف الشباب وطموح التميز أريد أن أكون أحدهم وأعد نفسي إعداداً جيداً .
لا أخفيكم بأني كنت أتمنى لقاء أسامة بن لادن كون هذه المضافة تخصه لكن هذا لم يحصل لأنه حين قدومي لمضافته لم يكن موجوداً، ولكن حصل بعد ذلك والتقيته وجهاً لوجه في مواقف لاحقة سأذكرها لكم في حينها وستعلمون عندها مدى دهشة الموقف أن أرى وأصافح ذلك الرجل الذي غطت سيرته الآفاق.
نمت تلك الليلة قرير الروح ألتحف أمنيات شاب فتي يريد أن يكون أحد الذين خاضوا معركة النصرة والجهاد ضد طغيان المد السوفيتي، وفي الصباح وقبل أن تشرق الشمس بأشعتها أخبرونا بأنه قد حان الآن موعد الانطلاق نحو المعسكر التدريبي حيث الجهد والقتال والتدريب في جبال أفغانستان المتشابكة ووديانها السحيقة، أخذت حقيبتي الصغيرة وتوجهت نحو وسيلة النقل ولكم أن تتصوروا ما هي وسيلة نقلنا تلك فقد كانت عبارة عن سيارة تويوتا من نوع هايلكس حوض (وانيت) قفزنا في حوض الوانيت وركبنا وريح الصبا تسف قسمات وجوهنا الغضة، وانطلقنا نيمم وجوهنا شطر بلاد الأفغان وبصوت واحد نغني بحداء الركبان الخالد:
بارودتي بيدي وبجعبتي كفني / كابل فانتظري فجري ولا تهني
سأظل أمطرهم حمم البراكين / ويذيقهم غضبي ذلاً مع الهون
سنثور بركاناً ونكون كالجمرِ / يا دولة الكفر بعلوجك الحمرِ
لا يقطع حماستنا وتوثبنا سوى أنه كلما مررنا على مدينة أو قرية نجد قاطعاً يوقف العابرين على الطريق يقف عليه رجال مسلحون ومتاريس تجبر السيارات أن تقف عندها وهي باختصار جمارك قبليّة باكستانية يستوقفون كل عابر ليقدم لهم السائق ضريبة المرور بمضاربهم العريقة وبعد أن يعطيهم المال يمكنوننا من المرور، وبعد ساعات طويلة مرورا بكذا مدينة وقرية وقبيلة نعبر بطون الأودية والسهول وقمم الجبال ورؤوسنا تتمايل في صحن الوانيت العتيق ونحن نبتسم دون أي تضجر حتى قاربنا الوصول الحدود الفاصلة بين باكستان وأفغانستان وتحديداً مدينة اسمها ميرام شاه.
كان مركز الحدود عبارة عن عمودين متقابلين بينهما حبل مهترئ ممدود يفصل بين أفغانستان وباكستان وبلا جوازات أو إثبات عبرنا الحدود إلى أفغانستان، قد تستغربون ذلك لكن هذا بالضبط ما حصل، مجرد حبل وعمودين وحارس أمن مسلح ودراجة نارية قديمة.
تجاوزنا الحدود بكل يسر وسهولة ودخلنا أرض أفغانستان ومن شدة فرحي كنت أود أن أقفز وأقبل أرض الحرية والجهاد والرباط، وما إن دخلنا حتى بدأت تلوح لنا قبور الموتى على جنبات الطريق لا تتوقف أعيننا عن رؤية هذا المشهد وكأنها إشارة بأن تلك الأرض وجدت لتكون مقبرة للغزاة. يالأفغانستان تنزف الدم منذ عشرات السنين حتى أصبحت كل مدينة وقرية عبارة عن مقابر لكنها بلا أسوار مليئة بالأعلام الملونة المنصوبة على أكثر من قبر ولا أدري حتى اليوم لماذا يضعون هذه الأعلام التي ترفرف مع كل هبة نسيم عابر، واصلنا الطريق حتى وصلنا لمركز طورخم كأول مركز نقف عنده في العمق الأفغاني وهناك حضرتُ قصة أول قتيل يسقط شهيداً.
حطينا الرحال في مركز طورخم وهو عبارة عن بيت صغير أشبه بنقطة أمنية بين سلسلة جبال وأودية ممتدة، بجواره مقبرة مازالت تربتها ندية، وبينما نحن ننزل من صندوق الونيت إذ برائحة الموت تطل علينا من قريب، فهنا قبرٌ للتو قد دفن فيه أحد المجاهدين، وبكل حماس ترجلت لأحضر هذه الجنازة، ومن حولها أسألهم عن اسم الشهيد وقصة استشهاده فرأيت وجوهاً حزينة ليس على فراق صاحبهم بل يبكون لأنهم لم يكونوا مكان ذلك الشهيد الذي فارقهم، اقتربت منهم وبكل فضول وعفوية وحماس أسأل من هذا القتيل وما قصة مقتله لم يجيبوني في الحال، وفضلوا أن ننتقل إلى داخل ذلك البيت الحجري القديم لنستريح قليلا من عناء الطريق ووعدني أحدهم أن يحكي لي قصة صاحب ذلك القبر الندي.
(*) مقاتل سابق في أفغانستان.