اقترب مني طفل ذو عامين وبيده سمارت فون صائحا: «سيلفي، سيلفي!» والطفل بالمناسبة لا يجيد الكلام بطلاقة وإنما كلمة سيلفي هذه وجدت طريقها لمفرداته الأولى مما يوضح لنا الثقافة المحيطة بطفل اليوم. وأخذ الطفل في التصوير واختيار اللقطات وحذف غير المناسب منها وسط ذهولي الشديد مما يحدث.
أخذت أستعيد ذكريات زمن مضى، في طفولتي حينما كانت الديناصورات ما زالت تتجول في الأرض، وحينما كنا نحمل الكاميرات ونرسل الأفلام للتحميض وننتظر بتشوق عودتها لنراها بالخفاء في حجرة خالية لفرزها ورمي الصور المفزعة قبل أن تنتشر بالمنزل ونسمع أنواع الذل والضحكات والتعليقات المهينة.
وأذكر ذات صيف حينما كنا في مدرسة صيفية بإحدى الدول الأوروبية أن مجموعة من الفتيات استمررن أياما بذل واحدة من عدواتهن بصور سرقنها من دولابها وهي توضح شكلها المشوه في حفل بثوب أبداها أسمن بكثير من الحقيقة وبمنظر شنيع وهي تأكل الهمبرجر وتفتح فمها بشراهة وكانت هذه الصور نكتة المدرسة إلى أن صادرتها المديرة وطلبت من صاحبة الصور إتلافها.
وظل الرعب من هوائل الصور موجودا لفترة طويلة، إلى أن حلت هذه الإشكالية باختراع الكاميرات الديجيتال التي تتيح لك اختيار الصور على كيف كيفك بل والتلاعب بها لجعلها أجمل أو لإخفاء العيوب بالفوتوشوب والآيربرش وغيرها من التكنيكات التي تحدث باستمرار.
ولكن هذه التقنية بمجال التصوير يخيل لي أنها بدأت في خلق نرجسيات صغيرة لدى البشر، فالهوس الذي أصبحنا نراه في متابعة المشاهير الذين يحرصون على التقاط صور السيلفي لأنفسهم أصبح مرضيا أحيانا. انظروا إلى الأرقام الرهيبة التي تتابع المشاهير من أمثال كيم كارداشيان وريانا وبيونسي وغيرهم من المشاهير، وحاولوا متابعة الفيس بوك التابع لأصدقائكم ومعارفكم لتروا مدى التأثر العام العالمي بثقافة السيلفي القائمة على تمجيد الجمال والأجساد الرشيقة والمظاهر الباذخة والسفر المكلف والهوس بالماركات الراقية باهظة الثمن. السيلفي ليس فقط ميكانيزم تصوير بل «ظاهرة ثقافية» عالمية معقدة، تتمركز حول الأنا وتعظيم الأنا وتغليف الأنا بإطار كثيرا ما يكون غير طبيعي بل وكثيرا ما يكون كاذبا ومتعجرفا، فمن شفاه «منقار البطة» البارزة التي تستمتع بعملها بعض الفتيات أثناء أخذ صورهن، إلى الابتسامات العريضة التي تبرز الأسنان المكسوة بالفنير الأبيض الشبيه بالأسمنت الصناعي الذي يضيء ليلا ويبرق نهارا، إلى الحقائب السينييه التي يجب أن تظهر في إطار الصورة، إلى الحرص على التقاط السيلفي أمام خلفيات توضح مظاهر الثراء والدلال والقوة الشرائية لصاحب السيلفي الذي يشرب الكافيه مرة في روما ومرة في باريس ومرة في لندن ومرة في نيويورك، ويركب الجوندولا في فينيسيا ويبتسم أمام التيوليب في أمستردام.
ربما يكون السيلفي قد حل مشكلة الصور المفزعة، ولكنه حتما أفرز ثقافة أكثر خطورة بكثير: ثقافة التصنع والتفاخر والتنافس الاستهلاكي لمن يقدر ومن لا يقدر.