نشرت الصحف قبل فترة صورا لفتاتين تغيبتا في ظروف غامضة وبجانبها اسماهما الكاملان واسم مدرستهما وخبر إحالتهما لدار رعاية الفتيات للتحقيق. وذكر الخبر أن شخصا من جنسية عربية ومواطنا شابا قد اقتيدا للتحقيق في هذه القضية.
صدمت لعدة أسباب. فنحن مجتمع محافظ جدا، ونشر اسمي الفتاتين وصورتيهما «بوضوح» سيسبب لهما ولعائلتيهما عارا مستديما. وذكر الشابين فاقم من المصيبة والفضيحة. وخاصة بنفي شبهة جريمة الاختطاف بذكر أن الفتاتين خرجتا بإرادتهما.
والمحزن أن الفتاتين بمدرسة ابتدائية أي أن عمرهما لا يزيد على إثني عشر عاما تقريبا، وهذا سن البراءة والطفولة، فكيف نقوم نحن الكبار الراشدين بهتك ستر طفلتين ارتكبتا خطأ غالبا ببراءة واندفاع وسوء التقدير، فنفضحهما فضيحة مدوية؟ ونحن نعرف مجتمعنا وما تنطوي عليه مثل هذه القصة وتأثيرها في مستقبل الفتاتين وعائلتيهما.
والطريف في الموضوع أن الشابين اللذين يحقق معهما في الموضوع ظلا مجهولين! وهذا كأنه قد أصبح بروتوكولا معتادا، فنفضح الضحية ونتستر على الجاني!.
الفتاتان صغيرتان جدا ونظرة واحدة لصورتيهما تؤكد ذلك. هاتان الفتاتان يمكن أن تكونا ابنتي أو ابنتيك أيها القارئ الكريم، فتخيل لا سمح الله أن يحدث لهما ذلك بسبب براءة أو سذاجة أو حتى تهور – ثم تفضحان ويشهر بهما في الصحف! ماذا سوف يكون شعورك؟ لا أحد معصوما من الخطأ وليس هكذا تورد الإبل يا معشر العرب.
فماذا نتوقع من هاتين الفتاتين بعد نشر قصتهما وصورتيهما في الصحف؟ كيف ستعودان للمدرسة وتتعاملان مع زميلاتهما في الصف؟ ومعلماتهما؟ وجيرانهما؟ وهل سوف تقبل الأمهات أن تختلط فتياتهن بهما؟ أم ستصنفان كمنبوذتين «على أقل تقدير» وتدفعان طوال العمر ثمن خطأ ارتكبتاه في طفولتهما؟
وماذا يا ترى سوف تقدم لهما دار الرعاية، فنحن لم نسمع إلا أنها سوف «تستضيفهما» وتحقق معهما؟ وما طبيعة هذه الاستضافة؟ أهي مثمرة؟ هل سيتم التعامل معهما واحتواؤهما بحرفية وحنان من قبل أخصائيين نفسيين واجتماعيين. أتمنى ذلك.
ولكن لا أعرف لماذا حينما قرأت كلمة «استضافة» تذكرت مقطعا في فيلم، حينما قبضت عصابة على شخص فقال له رئيس العصابة: «حاريحك!» ثم قال لأفراد العصابة ضاحكا «خذوه دغدغوه!»
فأتمنى أن لا تكون سياسة دار الرعاية العقاب واللوم وإلا فلن نحل المشكلة وإنما سوف نفاقمها.
وليت وسائل الإعلام تحترم الإنسانية، وخصوصيات مجتمعنا، قبل البحث عن الفرقعة الإعلامية ورفع المبيعات. فماذا استفدنا نحن كقراء من معرفة الفتاتين وصورتهما؟ ماذا سوف يضيف ذلك للقارئ بمجتمعنا الشديد المحافظة؟ وماذا، في المقابل، ستخسر الفتاتان وعائلتيهما جراء ذلك؟
ألا تشعرون مثلي «بالأسى» من وزن الأمور بمكيالين ومن النفاق الاجتماعي الساري؟ لا يصدق البعض إمساك بعض المخطئين «فيفرمهم»، بينما يتسامح المجتمع مع نوعيات هلامية تدعي المثالية والأخلاقيات وتتشدق بترك الآثام، وأنا لا أقصد أحدا معينا هنا طبعا، فكما تعرفون أنا أبعد ما يكون عن ثقافة القرقر قرقر، وإنما أنا مجرد مجتهدة ومتفرجة على مسرح الحياة تشعر بالكآبة و«النوزيا» أو الغثيان على رأي صديقنا سارتر.