من أصعب ما يواجهه الباحثون والمحللون الإحصائيون والاقتصاديون المتخصصون هو الحصول على البيانات والمعلومات الدقيقة الداعمة والمساعدة للوصول إلى النتائج الحقيقية لأبحاثهم ودراساتهم، وأحياناً تزداد الصعوبة وتتعقد المهمة عندما يحصل الباحثون على البيانات من مصادرها ولكنها وللأسف تكون أحياناً بيانات غير دقيقة أو غير معبرة للحقيقة نظراً لاختلاف أرقامها حسب اختلاف مصادرها رغم أنها لموضوع واحد. وقد يُقبل التباين في الأرقام إذا كان الفرق بسيطا أي في دائرة الكسور، أما إذا كانت فروق الأرقام بالملايين يُصبح الموضوع في دائرة الخلل والضعف في مصداقية إحدى الجهات المكلفة بإصدار البيانات. ولقد استوقفني تحليل للشقيقة جريدة الاقتصادية في عددها (8164) الأربعاء الماضي عندما كشف التحليل عن تباين معلومات عدد المشتغلين (العمالة) الأجانب في المملكة أظهرت أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء التي أعلنت الرقم 6.51 مليون عام (مشتغل أجنبي) في المملكة وفي نفس الوقت أوضحت وزارة العمل عن أرقام مخالفة، إذ أوضحت أن عدد الأجانب العاملين في القطاع الخاص يبلغ 8.7 مليون موظف بفرق مقداره 2.2 مليون عامل عن إحصائية الهيئة العامة للإحصاء، وهو فرق جداً كبير ويغير كثيراً في النتائج والدراسات ويؤثر كثيراً على وضع الخط والإستراتيجيات، علماً بأن الرقم المتباين صادر من جهتين حكوميتين مختلفتين. والحقيقة المقلقة هي أن نسب الأجانب المشتغلين في المملكة قد ارتفعت في نهاية عام 2015م لتصل إلى نسبة 56.7% من إجمالي المشتغلين بنهاية النصف الثاني 2015م والبالغ إجماليهم 11.48 مليون عامل. حيث كان في بداية العام 11.2 مليون مشتغل. وبلغ عدد العاطلين السعوديين حوالى 647 ألف عاطل سعودي يمثلون نسبة 95.1 في المائة من إجمالي العاطلين سعوديين وأجانب، حيث بلغ عدد السعوديين المشتغلين حوالى 4.98 مليون مشتغل. يمثلون 43.3 في المائة من إجمالي المشتغلين في المملكة. والرقم الأكثر خطورة في تحليل الاقتصادية أن عدد الوافدين الأجانب العاطلين عن العمل في السعودية وصل إلى 33.2 ألف عاطل يشكلون 4.9 في المائة من إجمالي العاطلين في السعودية. والذين قد يشكل بعضهم قلقاً على أمن البلاد، إذ إن عدم توفر فرص عمل نظامية قد يدفعهم إلى أعمال غير قانونية، ومنها المتاجرة بالمخدرات والتي أعلن مدير عام مكافحة المخدرات في المملكة الأسبوع الماضي في الملتقى التعريفي السابع للمشروع الوطني للوقاية من المخدرات أن إجمالي المخدرات التي تم ضبطها في السعودية يمثل ثلثي المخدرات المضبوطة على مستوى العالم وهي نسبة تدفعني للإشادة برجال مكافحة المخدرات وقدرتهم الفائقة في الضبط. وإن كنت أخشى أن العمالة العاطلة الأجنبية ضمن مسوقي المخدرات والمروجين لها وذلك ضمن جهودهم في البحث عن عمل يضمن لهم دخلاً يعيشون منه في المملكة. وهم بهذا يلحقون ضرراً جسيماً في المجتمع السعودي بفئاته. ومن أجمل وأقوى وأوقع الكلمات التي قيلت في المنتدى كانت كلمة أخي سمو الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض عندما طالب بأن نصارح المجتمع بالحقيقة ونضعها أمام الجميع ليعرفوا أن هناك فعلاً داء موجوداً حتى نستطيع معالجته. حيث قال سموه (إن لم نشخص الحالة تشخيصاً جيداً فلن نستطيع أن نعالجها. ويجب أن نعترف ماذا ببلادنا من هذا الداء لنكون يداً واحدة في مكافحته). وعلى نفس الاتجاه بالمصارحة والمطالبة أطالب أن نكون أكثر صراحة وجراءة في نشر البيانات الحقيقية والاعتراف أن جهود السعودة من خلال الأجهزة المعنية لم تحقق الطموحات والأهداف التي أنشئت من أجلها وهي معالجة البطالة التي ما زالت فوق نسبة الـ11% منذ أن بدأت برامج السعودة الجديدة إلى الآن. ودعونا نواجه الحقيقة ونشارك في وضع الحلول والقضية قضية وطن ومسؤولية الجميع. إن رفض الحقيقة والدفاع عن وجهات نظر تبريرية لن يخدم الوطن. وإن تشغيل المكنة الإعلامية ونشر التبريرات أيضاً لن يعالج المشكلة. مثل رفض بعض المسؤولين أننا نمر بظروف اقتصادية صعبة نتيجة انخفاض أسعار البترول العالمية والتي أثرت سلباً على دخل بلادنا والمعتمد على دخل واردات البترول بنسبة 90% وهي قضية عالمية أثرت على اقتصاد العالم بصفة عامة لأن الاقتصاد العالمي مرتبط بعضه ببعض، وإيراد بدائل البترول لن يحقق نتائج على المدى القصير. وعليه علينا أن نكون واقعيين ونتعايش مع الظرف الاقتصادي.

* كاتب اقتصادي سعودي