كنت يوما ما أدخن ستين سيجارة في اليوم الواحد (يعني أكيد كانت لي مساهمة مقدرة في تسبيب ثقب الأوزون).. ستون سيجارة من أحقر أنواع التبغ.. استغفر الله أقصد التبغ المخلوط بنشارة الخشب ولا يخلو أحيانا من رائحة روث البهائم.. وعندما بلغت الثلاثين (قبل سنتين.. ثلاثة!!) كان صدري يكركر وكأنه إبريق شيشة.. وعلى مدى خمس سنوات توقفت عن التدخين نحو 138 مرة: هذه آخر سيجارة.. لست ملزما بتشجيع الإنتاج المحلي من التبغ.. ثم أتيت الى منطقة الخليج، وصار بإمكاني شراء علبة سجائر كاملة وحملها علنا دون خوف من ان احد أصدقائي سيطلب مني سيجارة.. صرت «فوق»، أدخن البنسون والروثمانز (السودانيون يحسبون أن تدخين هذين الصنفين من السجائر واجب وطني.. مثل اعتقادهم بان سيارات التويوتا صنعت خصيصا لهم.. وأعتقد أن 90% من سيارات الكورولا في شوارع المدن الخليجية مملوكة لسودانيين).. انتهى عصر «التخميس»، وهذه كلمة ابدعتها العبقرية اللغوية السودانية لوصف تقاسم خمسة أشخاص لسيجارة واحدة.. باختصار صرت أنبوب نيكوتين متحركا.. كانت زوجتي تقول لي: ريحتك زي الطفاية (منفضة السجائر).. وتوالت محاولات التوقف عن التدخين بعد ان أدركت أن البديل هو ان يتوقف قلبي عن العمل.. ولكن «الحيلة قليلة والخشم بليلة».. والبليلة تصنع من بقول معينة يتم غليها في الماء.. وأثناء الغلي تتقافز حبيبات البليلة فتحسبها من اليورانيوم المخصب وشيك الانفجار.. ومعنى المثل الذي بين علامات التنصيص هو أن الكلام قد يتدفق من الفم (الخشم) كالشلال، ولكن بلا طائل لأن المتكلم قليل الحيلة (في العامية السودانية الخشم هو الفم والضُبّان هو الذباب.. عرب مستعربة ونولد كلمات على كيفنا.. وإذا لم يعجبكم هذا نرجو طردنا من الجامعة العربية، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا).. أعني ان كلامي عن التوقف عن التدخين كان جعجعة بلا طحن.. فقد كنت مدمنا للتبغ.. والمدمن بالضرورة ضعيف الإرادة، ويبحث لنفسه عن مختلف الأعذار كي يواصل التعامل مع الشيء الذي يدمنه حتى لو كان مدركا تماما مخاطر ذلك.