تشير آخر الأرقام القياسية المعلنة لتكاليف المعيشة، إلى أن نسبة التضخم السنوي في المملكة لا تتجاوز 2.1% في شهر أغسطس الماضي، مقارنة بما كانت عليه خلال نفس الشهر عام 2014، وذلك وفقا لخبر منسوب لمصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، إلا أن الكثير من المواطنين الذين يكتوون بنار الغلاء المستمر على الأسعار، يرون بأن (نزيف محافظهم) أكثر دِقة من إحصاءات (المصلحة)، لأن ارتفاع قيمة الكثير من السلع والخدمات على أرض الواقع، يزيد كثيرا عن تلك النسبة المعلنة!، ولا أذكر هذا الرأي جزافا وإنما من واقع عشرات الشواهد التي ربما لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال!.
والأكيد هو أن التباين الواضح حول نسبة ارتفاع تكلفة المعيشة بين ما تذكره المصلحة، وبين ما يلمسه المستهلكون، يضعنا أمام احتمالين، فإما أن الأرقام القياسية غير دقيقة، أو أن المستهلكين يبالغون!، ورغم أنه لا سبب منطقيا يدعوني للتشكيك في الأرقام الإحصائية الرسمية، إلا أنني أميل إلى الاحتمال الأول؛ وهو عدم دقة الأرقام القياسية، ربما لأنني مستهلك، يضطر كل بضعة أشهر (تقريبا) لزيادة المبالغ المخصصة للكثير من أوجه الإنفاق؛ سواء على المصروفات الضرورية أو الكمالية، وأثق بأن (المصلحة) لو أجرت استطلاعا شهريا موسعا لآراء المستهلكين؛ خصوصا الذين تقل رواتبهم عن حد الكفاية، حول مستويات الأسعار، لتفاجأت بآرائهم وبنتائج الاستطلاع، وربما أعادت النظر في كيفية احتسابها لنسب التضخم وأرقام تكاليف المعيشة، لكي تعرف سبب التفاوت الملحوظ بين قناعات ومشاهدات الناس عن الغلاء، وبين ما تورده تلك الإحصاءات!.
من جانب آخر، أعلم أن (المصلحة) تتبع في إحصاءاتها لحساب الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة (لجميع السكان ولأسعار الجملة)، أساليب علمية متطورة، وتحليلات اقتصادية رصينة، ومسوحات ميدانية شهرية وفصلية؛ لأسعار سلة واسعة تشمل نحو 400 سلعة وخدمة؛ ضمن 11 مجموعة مختلفة، في حوالى 16 مدينة، تغطي مختلف مناطق المملكة، ولكن يبدو أن شريحة عريضة من المستهلكين الذين يعانون من ارتفاع الأسعار لا يعترفون بكل ذلك، وربما لا يفهمونه أيضا، وإنما يفهمون فقط أنهم مضطرون لدفع زيادات متتالية على قيمة مشترياتهم من السلع واحتياجاتهم من الخدمات، بدون أن يكون هناك مبررات موضوعية لذلك؛ من وجهة نظر الكثيرين منهم.
ولعل الأسوأ والأغرب من كل ذلك هو أن المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية المتسارعة منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن؛ كان (يفترض) أن تؤدي إلى تراجع الأسعار بدلا من ارتفاعها؛ ولكن ذلك لم يحدث!، وفي مقدمة تلك المتغيرات الارتفاع الملحوظ على سعر صرف الدولار، الذي كان يجب أن يؤدي إلى تراجع قيمة معظم وارداتنا من (غير) الولايات المتحدة؛ وذلك لسببين هما:
1ــ ارتباط سعر صرف الريال بالدولار..، 2ــ اعتمادنا إلى حد كبير في معيشتنا على الواردات، كما يضاف إلى ذلك، التراجع الكبير على أسعار النفط والمشتقات البترولية، والذي يعتبر مكونا مهما في تكلفة الإنتاج والنقل.
ومن الواضح أن هناك جملة من الأسباب الرئيسية المؤدية إلى ارتفاع الأسعار، يمكن إيجازها فيما يلي، مع اقتراح تصورات لكيفية التعامل معها وتشمل:
1 ــ غياب ضوابط لتنظيم الإيجارات: يأتي هذا السبب - في رأيي - في مقدمة أسباب الغلاء نظرا لأن عدم ضبط الأمر بقانون، أدى لإنفلات شديد؛ أطلق يد الملاك في فرض زيادات سنوية متتالية، خصوصا على إيجارات المحلات التجارية، ليقوم أصحاب الأعمال بتجيير أية زيادة إلى المستهلكين، إضافة لتسبب ذلك أيضا في رفع تكلفة بند السكن أيضا، وطالما لم يتم وضع قانون لتنظيم الإيجار، فسوف يستمر ارتفاع الإيجارات!.
2 ــ رفع تكلفة العمالة الوافدة: كان لذلك القرار أثره الواضح في تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار منذ البدء بتطبيقه في مطلع عام 1434هـ نتيجة لتحصيل مقابل مالي بواقع 2400 ريال سنويا عن كل عامل وافد في منشآت القطاع الخاص، ورغم أنه تم لاحقا إلغاء تنفيذ القرار على المنشآت الصغيرة (التي تقل عن 9 عمال) إلا أن ذلك لم يساهم في خفض الأسعار!، كما لم تتناسب نتائج ذلك القرار، مع الأهداف المهمة التي رمى إليها المشرع عندما قام بإقراره.
3 ــ ضعف تطبيق أنظمة مواجهة الاحتكار: ورغم أن لدينا مجلسا للمنافسة منذ ما يزيد على 10 أعوام، في مقدمة مهامه مكافحة الممارسات الاحتكارية وتعزيز مناخ المنافسة في قطاعات الأعمال، إلا أن المستهلكين لم يشعروا كثيرا بتأثير ذلك المجلس، ولا بدوره المفترض في منع الاحتكار ولجم الغلاء، فعلى مدى عقود، ظلت مؤسسات محدودة تحتكر استيراد وبيع نسبة كبيرة من السلع الإستراتيجية، وتقديم بعض الخدمات الرئيسية، إلا أنه من المؤمل أن يؤدي القرار الأخير القاضي بالسماح للشركات الأجنبية بالعمل مباشرة في السوق السعودية، وبنسبة تملك 100% في قطاعي الجملة والتجزئة، إلى خلخلة وتفكيك الكارتلات الاحتكارية، ومن ثم توسيع الخيارات أمام المستهلكين وصولا لتخفيض الأسعار.
4 ــ محدودية جهود رقابة الأسواق: ورغم الدور الفاعل لوزارة التجارة في مكافحة الغش والحد من استيراد السلع غير المطابقة للمواصفات، إلا أن أداءها كان ضعيفا - في تقديري - حينما يتعلق الأمر بمراقبة المغالاة في الأسعار، وهذا ما يستلزم زيادة جهودها في هذا الاتجاه؛ خصوصا بفرض عقوبات رادعة على المغالين، من بينها التشهـير، ولو استلزم الأمر فرض سقف أعلى لنسب الأرباح؛ إضافة لزيادة عدد أطقم الوزارة المعنيين بالمراقبة الميدانية للأسواق.
ختاما، أوجه نداء إلى السادة مصلحة الإحصاءات العامة، أقول لهم فيه: أرجو أن تصدروا لنا تقريرا شهريا جديدا؛ تبلغوننا فيه عن الشركات والمؤسسات التجارية التي تقوم بتخفيض أسعار منتجاتها وخدماتها لكي نقوم بالتعامل معها فورا، ونقاطع منافسيها الذين استمرأوا الزيادات المتتالية، فهل تتجاوب (المصلحة)؟!..