قرأت قبل فترة خبرا صحفيا عن وجود نحو 30 مليار ريال تمثل مجموع مستحقات أوقاف أهلية نزعت ملكيتها لصالح بعض المشاريع الحيوية في العاصمة المقدسة، ولكن تلك المبالغ لم تزل مجمدة، إما لعدم وجود ذرع لبعض عقارات الأوقاف وهو أمر يستدعى قيام الناظر بإجراءات مطولة حتى يتم تحقيق الذرع وإثباته في صك الوقف، وإما لأن هيئة النظر المكلفة باختيار بديل للوقف المزال لم تزل تبحث عن بديل مناسب يوافق عليه ناظر الوقف لإمضاء عملية الشراء، وإما لأسباب أخرى غير واضحة المعالم ولكن النتيجة في نهاية الأمر أن تعويضات الأوقاف قد تظل مجمدة لشهور وربما لسنوات قبل التوصل إلى حل يضمن صرفها في شراء بديل فيه غبطة ومصلحة للوقف والمستحقين، وهذه المدة التي تبقى فيها التعويضات مجمدة تؤدي إلى فقدان مبلغ التعويض لبعض من قوته الشرائية وهذا على سبيل الواقع المؤكد لا مجرد الاحتمالات والتوقعات فإن كان لوقف ما تعويض قدره خمسة ملايين ريال وتأخر شراء بديل له بهذا المبلغ لمدة عام أو عامين فإن القوة الشرائية لمبلغ التعويض تنقص 30 أو 40 في المائة ويصبح العقار الذي كان معروضا للبيع بأربعة أو خمسة ملايين، بسبعة أو ستة ملايين بعد عامين من العرض الأول فإذا تم شراء وقف بديل بمبلغ التعويض وهو خمسة ملايين بعد مرور عام أو عامين على حجز المبلغ تمهيدا لشراء البديل فإن وقائع سوق العقار وقانون العرض والطلب قد لا يوفر للوقف سوى عقار كان ثمنه عند إقرار مبلغ التعويض نحو ثلاثة ملايين ريال ولكن ثمنه ارتفع عند شرائه لصالح ذلك الوقف ليصبح بأربعة أو خمسة ملايين ريال، وهذا الأمر ينطبق على أي إنسان لديه سيولة مالية محفوظة في بنك أو أسهم ثم تأخر في شراء عقار معروض للبيع بثمن معين فإنه يجد العقار نفسه إذا ما عزم على الشراء قد زادت قيمته بنسبة معينة. وقد عاصرت وشهدت شخصيا مثل هذه المواقف وندمت على التأخر ولات ساعة مندم وعزيت نفسي بأن البيع والشراء مثل النكاح قسمة ونصيب!
وليس لدي أدنى شك في أن الإجراءات المتبعة التي ترعاها المحاكم العامة في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو غيرهما من المدن والمحافظات التي بها أوقاف أهلية عديدة هي إجراءات تهدف إلى مصلحة الوقف واختيار البديل الأنسب له في حالة بيعه أو نزع ملكيته للمنفعة العامة. ولكن طول تلك الإجراءات وعدم حسم موقف هيئة النظر وناظر الوقف من مسألة اختيار البديل في مدة يحسن ألا تزيد على 90 يوما لحفظ تعويض الوقف المزال أو المباع من الاضمحلال بفقدان جزء غير يسير من قوته الشرائية، هذا التطويل أدى إلى نتائج عكسية لم تكن في صالح الأوقاف الأهلية لما ذكر من أسباب يعرفها كل من لديه وقف عين ناظرا عليه فعجز عن توفير البديل المقنع لهيئة النظر ولناظر الوقف فانصرمت الأيام والشهور وربما الأعوام بين يديه والتعويض مجمد والأسعار ترتفع والعوائد متوقفة والمستحقون ينتظرون نهاية ما هم فيه من حرمان!