وليد كاملي
وليد كاملي
-A +A
وليد الكاملي wamly2016@
أن تنشأ على صحافة ما قبل الطفرة التكنولوجية حيث الورق الغارق في مقالات وعناوين لا طرح فيها سوى النقد، وأن يكون مسلسل بحجم «طاش ما طاش» الذي لم يترك شاردة ولا واردة إلا وأحصى ما فيها من سلبيات، هو الترفيه الذي ترعرعت عليه، فأنت ولا شك ستكبر وأنت محمل بإرث ثقيل من «التشاؤمية»، وحتما لن يخطر ببالك يوماً أن ترى النصف المملوء من الكوب.

ورغم كل ذلك فدولاب الحياة الذي لا يتوقف سيجعلك تفكر ولو لحظة في طرح سؤال كعنوان هذه المقالة، ولو كان على هيئة حديث للنفس وستقول: كيف ليوم جميل أن يكتمل؟!


قد تجعل «السلامة» هي المؤشر الأهم الذي يمكن أن تستدل من خلاله على بلوغ الإجابة حيث الخلود للنوم في نهاية اليوم وأنت تشعر -على الأقل- بأن الذاكرة النقدية السلبية خاصتك لم ُتستفز ولم تنهض من سباتها العميق، وستبدأ يومك حتماً بالذهاب المبكر لمقر العمل، وقد يندلق على ثوبك كوب الحليب الذي حملته معك في السيارة بسبب «حفرة صغيرة» في وسط الطريق وقد تقرر اجتياز ذلك بوسائل شتى أقلها هو أن تستغني عن فكرة احتساء الحليب في الطريق وتستعيضه بغيره في المكتب حيث الزملاء «وسيمشي الحال»، وخلال سيرك للعمل ستقف في الإشارة المرورية القريبة من مقر عملك وستكتشف أن كل الواقفين حولك يعملون مثلك في أعمال مكتبية ويرتدون نفس لباسك حيث لا أحد متجه لمصنع مع ملاحظة أن النسبة الأعلى ممن كانوا يزاحمونك عندها -أي إشارة المرور- من شريحة المعلمين لم يعد لهم أثر بعد تحولهم للتعليم عن بعد بسبب جائحة كورونا، وستتذكر مقولة زميلك التي يرددها كل يوم حيث يقول: كلنا نعمل عملاً واحداً ينتهي وقته برفع عامل النظافة لأذان الظهر لأن المؤذن الرسمي يعمل في وظيفة أخرى لا تسمح له بالتفرغ للأذان لكل الفروض وبدورك ستقول لنفسك: يجب أن أتعامل مع هذه الأمور بوصفها روتيناً لا يستحق مني الضجر.

حتى هنا وأنت متصالح مع كل شيء وحريص كل الحرص أن ينتهي يومك بالسلامة رغم الرسالة التي وردت لهاتفك كإشعار وتنبيه يفيد بأن ثمة مخالفة مرورية طالت سيارتك بسبب استخدامك لجهاز محمول أثناء القيادة لأنك ستقول لنفسك: استحق ذلك.

ثم تمضي في يومك الآخر الذي يبدأ من بعد «نومة العصر» وأنت تردد يا الله يا الله، وتبدأ التزامات الزوجة والأبناء والأصدقاء ثم تشرع في جدولة وقتك وتقسيم ذاتك بكل دقة لترضي كل الأطراف، فتتذكر موعداً لمناسبة كنت قد دُعيت إليها من قبل وتنطلق مسرعاً لتضرب بكل جداولك عرض الحائط لأنك تخشى عتب الداعي، ولأن المناسبات لدينا لا يمكن أن تحتويها ساعة أو ساعتين فلذلك أنت بحاجة ماسة لأن تعتذر للأطفال وأمهم عن عدم الوفاء بوعدك لهم بجولة في السوق وستتحمل «ثقيل الدم» الذي جلس بجوارك وأمضى وقته يسألك عن مكان عملك وعدد أطفالك وما إذا كان بيتك الذي تسكنه ملكا أو إيجارا وستهدأ على نفسك وتقول: عليّ أن أتحمل هذه الشريحة من الناس. وتنتهي المناسبة وتغادر المكان فرحا بدنو وقت نومك وأنت حليف السلامة، وقبل أن تبلغ بيتك وأسرتك تسقط بك سيارتك في تلك «الحفرة التي كانت صغيرة» والتي كانت لا تحدث أثراً غير أنها قد تتسبب في اندلاق كوب الحليب لتتفاجأ أنها اتسعت وأضحت تتسع سيارة بأكملها لتنهض داخلك كل أوراق الصحف ومقالاتها النقدية وترقص في رأسك كل حلقات «طاش ما طاش» التي كانت تعرض ما بين كل حلقة وأخرى حلقة عن جودة الخدمات المقدمة للناس، وتردد سؤالك الذي لا يموت وتهمس به لذاتك قبل أن تخلد للنوم وتقول: كيف ليوم جميل أن يكتمل.