-A +A
صدقة يحيى فاضل
إن «الحوار» البناء، بين الغرب والمسلمين، أو بين أي طرفين مختلفين، يجب أن يتم على أسس موضوعية، وبعيدة عن التشنُّج، والمواقف المسبقة.. حتى يصبح ذا جدوى وفائدة. والغريب، أن البعض يؤاخذ الغرب كله على أطروحة سلبية -ضد الإسلام والعروبة- قال بها هذا الكاتب أو ذاك، أو هذا المراسل الصحفي أو ذاك، ثم يتغاضون عن (الإساءات الغربية الكبرى)؛ المرئية وغير المرئية، للمسلمين وغيرهم (ومن ذلك: الهيمنة غير المباشرة، دعم إسرائيل، التدخل السافر في الشؤون الداخلية لبعض الدول). كما يتجاهلون، في الوقت نفسه، ما يكيله بعض العرب والمسلمين للغرب من سباب، وسخرية. وكلها أمور تؤثر بالسلب على علاقة العرب والمسلمين بالغرب، وغيره، وتبقى هذه العلاقة في دائرة التوتر والنزاع.

والعرب -فى الواقع- ما زالوا أحوج ما يكونون لمحاورة أنفسهم، قبل أن يحاوروا الآخرين، خاصة في ما يتعلق ببعض الأوضاع السياسية المأساوية الخطيرة، القائمة في ديار معظمهم.. ومنها مسائل: (التعنصر البيني) و(الفساد)، وسيادة (الديكتاتورية)، ووجود (متطرفين) معادين لمعظم البشرية، وما إلى ذلك من مآسٍ وعيوب، سياسية واجتماعية معروفة.


****

ومعروف أن الغرب كثيراً ما يشن هجمات شرسة على ما يسميه (الإرهاب)، الذي يقوم به (متطرفون) من العرب والمسلمين، وغيرهم. ثم استمرأ الفكرة، وأخذ يستخدمها (فزاعة) لبعض اعتداءاته الوحشية. وقد تمخض عن هذه الهجمة -كما هو معروف- مقتل آلاف الأبرياء، وتدمير بيوتهم، وبلادهم، ووسائل عيشهم (في فلسطين والعراق وأفغانستان، وسوريا، وغيرها). وهي -في الواقع- حملة على أمة الإسلام، وخاصة المتشدد.. الذين يقولون إن محاربته (محاربة الإرهاب) أصبحت ضرورية، لحماية أمنهم القومي. ولا شك أن هذه الهجمة الظالمة -خاصة تلك التي أعقبت أحداث 11/‏‏ 9/‏‏ 2001 الشهيرة- قد أوصلت العلاقة الشعبية بين الجانبين إلى ذروة الاستياء والتوتر.

وهذا أكد -من جديد- أن أكثر حضارتين متناقضتين (قيماً وثوابت ومصالح) في العالم، في العصر الحاضر، هما: الحضارتان العربية (الإسلامية) والغربية (العلمانية). صحيح أن (التناقض) موجود بين كل حضارات العالم ودوله، كما هو بين الأفراد ونظرائهم، ولكن (حدة) هذا التناقض (الصراع) بين هاتين الحضارتين ربما تكون الأعلى، في الواقع العقائدي الكوني الراهن. ويسهل القول بأن: السبب الرئيس لهذه الدرجة المرتفعة من الحدة هو: وجود متطرفين قيمياً في الجانبين (وليس في الجانب الإسلامي فقط) يبتغون اقتلاع الآخر، ويسفهون مبادئه، ويراهنون على ضرورة اندحاره واستغلاله، وتراجعه. فإما أن يقبل ملتهم، ويعتنق قيمهم كلها، ويخضع لهم، وإما العداء، والحرب... فهو (العدو) الذي يستحق الموت؟!إن الحوار المنهجي الجاد بين الطرفين -أو ممثليهم الحقيقيين- يمكن أن يزيل هذه (المعضلة)، أو يخفف من وقعها، ويؤدي -بالتالي- إلى تفاهم... ومن ثم تعايش الطرفين، في أمن وسلام.. باعتبار أن (الغالبية) في كل طرف تميل للوسطية والاعتدال، والمسالمة، وتعتنق مبدأ «لكم دينكم، ولي دين».

****

ولكن، لا بد أن تثار في خضم هذا التشخيص المبسط، والمبدئي، لعلاقات الجانبين، تساؤلات حتمية، نذكر منها:

- كيف لحوار منهجي جاد أن ينشأ بين الجانبين، في ظل هذا الاختلال في توازن القوى بينهما؛ أي في ظل كون الغرب المتنفذ تحديداً هو الأقوى -بمراحل- من الجانب العربي والإسلامي، بل هو المهيمن على معظم العالم؟!

- من يمثل -بالفعل، وحقاً- العرب والمسلمين؟! فلا شك أن مسألة (التمثيل) ربما تكون أهم عنصر في الحوار الحق، وهي محسومة في الغرب. أما في معظم العالمين العربي والإسلامي فهي غير محسومة، ومرتبكة، وغير شرعية غالباً، كما هو معروف.

- وكيف لمثل هذا الحوار أن يتم -ويثمر إيجاباً- وبعض (جماعات المصالح) في هذا الغرب لا يهمها (تجاه العرب والمسلمين) سوى: سحق، وإضعاف (واستغلال) بلادهم، والعمل على بقاء -واستمرار- حالة الضعف والتوتر الراهنة؛ لأن التوتر يعكر صفو الماء... وهي قوى لا تتقن الاصطياد (بمهارة) إلا في الماء العكر...؟!

إن هذه القوى الغربية هي التي تستميت في محاربة العرب والمسلمين، بأداتي: الاستعمار الجديد والصهيونية؛ وهاتان (الأداتان) هما أهم أسباب الغضب الشعبي العربي المتأصل والعميق من الغرب. وهي أهم أسباب الصراع (الخفي والمعلن) بين الطرفين. ونترك الإجابة على هذه التساؤلات الكبرى لمن يهمهم قيام حوار مثمر وجاد بين هذين الطرفين من العقلاء والحكماء والخيرين في الجانبين، وهم كثر الآن.

****

ما ذكر هنا، يؤكد أن الخلاف القيمي، والمصلحي، هو أساس الصراعات الرئيس بين الأطراف الدولية المختلفة. والواقع، أن هيمنة الغرب على العالم، منذ حوالي مئتي عام، نسبة للأطراف الدولية الأخرى (مع اقتران هذه الهيمنة بالاستعلاء، والاستغلال، والاستعمار، والظلم...الخ)، مكنت الغرب من هذه السيطرة الكاسحة، ومن بسط نفوذه (المفاهيمي) على تطور الحضارة الإنسانية، بصفة عامة. ففي عالم اليوم مفاهيم شتى... معظمها وليد البيئة والحضارة والأفكار الغربية. حتى أن بعض علماء السياسة والاجتماع يرون أن التطوير، والتحديث، والتقدم الاجتماعي والسياسي لا بد أن يسير وفق المسار الذي سار فيه الغرب. وبعضهم يصف عملية التنمية السياسية والاجتماعية المعاصرة بأنها عملية «تغريب» (Westernization)... أي السير حذو الغرب، واعتباره القدوة التي يجب أن يقتدي بها التقدميون، والتطويريون، والتحديثيون في أي مجال، وفي كل أرجاء العالم، وسواء كانوا في الصين، أو الهند، أو العالم العربي، أو أي بقعة أخرى؟!

ولكن هذه الهيمنة تظل جزئية، وتقابل بالرفض من قبل معظم قوميات العالم غير الغربية، والاستياء من محاولات الغرب فرضها على العالم، مادياً، ومعنوياً (قيمياً). وذلك رد فعل طبيعي، ومتوقع، من قبل غير الغربيين، خاصة أولئك الذين عانوا من (ظلم) الغرب ما عانوا. ثم إن المحافظة على الذاتية، والخصوصية (غير السلبية) أمر محمود، ومطلوب، ومن حق كل شعب أن يحرص على التمسك بها، ورفض ما يعارضها (الحرية). والأكثر تفضيلاً، هو نبذ القيم السلبية، التي تنتج عن التمسك بها أشياء سلبية تضر أصحابها أكثر مما تنفعهم، والتمسك بما هو إيجابي ونافع من القيم أينما كان مصدره. ونسارع بالقول هنا: إن لدى الغرب أيضاً قيماً إيجابية، صالحة (بتعديلات طفيفة) لكل مكان وزمان.