-A +A
فؤاد مصطفى عزب
كما في فيلم (عشب الحديد) بلقطاته التي تتوالى بشكل متصاعد وسريع، نحو الفضاء المتشظي، كتل غيوم وموسيقى ذات تكوين جنائزي، ثم لا تلبث أن تنزل الكاميرا على جسد رجل، ملقى على قارعة الطريق، الأوراق والعلب الفارغة تتطاير من حوله، تقترب الكاميرا أكثر فأكثر من الرجل الذي يحاول القيام بصعوبة بالغة، حينها تبين أنه (فرنسيس فيلان) الذي يبدأ في لعن كل شيء، وأي شيء، ويستطرد في سرد هواجسه المريرة لصديقه، يحدثه عن مرارة العيش والأحلام المحطمة، والقتلى الذين تسببت في موتهم الحروب والأمراض، رجل يعيش جحيم الحياة، هذا الجحيم يتضح في النهاية أنه من صنع يده، و(عشب الحديد) فيلم لمخرج برازيلي (هكتور بانبكو) شاهدته منذ أمد بعيد، لم أكن أتصور أن الزمان سيرزقني بصديق لا يختلف كثيراً عن (فرنسيس فيلان) فمنذ بدأ منع التجول نتيجه انتشار فايروس (كورونا) تحول هذا الصديق إلى سحابة سوداء من الكآبة، كأن صخور جزيرة (كورسيكا) المسننة أطبقت على صدره، زرته بالأمس، بعد أن أبلغتني أسرته بسوء حالته وتدهورها، لأجد أنساناً الاصفرار علا وجهه المتغصن، وانتشرت بقع داكنة حول عينيه الغائرتين، تحول لوحش، بشعره المبعثر مثل نبات شوكي، لحيته متصلة بشعر صدره، وأظافره طويلة، يتجرع القهوة وينفث الدخان، ويتحدث بسلبية فائضة، يشعر بعزلة شديدة وقاسية، فوجئت بكيف سمح هذا الإنسان أن تسيطر عليه هذه الكآبة!! كان سؤاله لي حال رؤيتي، يا ترى متى سينتهي هذا المنع؟؟ قلت له لا أدري، ولكن المنع يا صديقي لا يعني أن تجعل الشيخوخة تزحف نحوك على عجل، قال لي ليس لدي شيء أفعله في هذه العزلة، لقد انفجرت روحي من هذا المنع، أحس أحياناً بأنني اصطدم بالفراغ كل يوم، وأن أحزاني تمنعني من فعل أي شيء، قلت له هذا الفكر لا يطهرك منه حتى حمام مغربي، ما لم تنفض عباءتك وتخلع نعالك، وتعود لتمارس الحياة في منزلك وكأن السماء مرتع لك وحدك، الزمان أقوى المصارعين يا رفيقي، كل أزمة ولها نهاية مهما طالت، دع هذا الجسد المرقى بتعاويذ الأمل يرقص جولته الأخيرة على نخبك، خذ من البحر رقته، ومن الجبل صلابته، لديك فاصل بين الجنة والنار، والجنة صنعها حتى سجناء حقيقيون في معتقلاتهم، أنت لست في سجن أبدي، أنت في منع إرادي مؤقت وفي مناخ حميم، يتيح لك فعل الكثير والكثير، (فوزي حبشي) من أطلق عليه (معتقل كل العصور) سمي بهذا الاسم لأنه قضى فترات متفاوتة ومتعددة، في أكثر من معتقل، منذ سنة ١٩٤١م إلى ١٩٨٧م، تسعة معتقلات تنقل منها وإليها، صمم هذا الرجل، مسرحاً، بناه في سجن (المحاريق) بالواحات، كانت فكرته، أنه لا بد أن يحرز نصراً مادياً ومعنوياً على وضعه، وإنشأ جامعة مفتوحة داخل السجن، تنوعت الدراسة فيها، من فصول محو الأمية -حيث كان معظم التلاميذ من حراس المعتقل- وعقد امتحانات، وأعطي شهادات، وأقام حفلات تخرج، وأصدر جرائد حائطية، ومجلة للمسرح، وأنشأ مزرعة، وورش تصوير ونحت وشعر وصناعة فخار، وبنى مسجداً، فضلاً عن مسرح، كل ذلك ليثبت أن بوسع الإنسان المؤمن أن يظل رافع الرأس، وفي أشد الظروف قسوة ووحشية، لقد حولت مجموعة من السجناء الحقيقيين، عراة، حفاة، جائعين، معزولين، في قطعة نائية من جهنم، أطبقت عليها الجنود والجدار والأشواك المعدنية، تلك القطعة، إلى بؤرة للثقافة والتعليم والمعمار والفن، والخضرة، كل ذلك كان برهاناً على قدرة الإنسان المؤمن على التقدم، ليغرس زهرة في قلب الجحيم، هذا هو الانتصار الحقيقي الروحي والمعنوي والمادي، والدال على قدرة الإنسان على مقاومة الظروف الصعبة والاحتفال بالحياة، فلنمسح الغبار عن وجوهنا، ولنزل التراب عن أكفنا وأقدامنا، ولنداوِ هذا الجرح بتقوى الله والتمسك بالعروة الوثقى ومراجعة النفس، ولنواصل المسيرة، بإصرار أكبر، ولنساهم في خلق حياة أجمل وأحسن، في بلادنا وفي العالم..الآن.. وغداً!!

كاتب سعودي


Fouad5azab@gmail.com