-A +A
رامي الخليفة العلي
أمام عدسة الكاميرا ومن خلف مكتبه قام أحد المسؤولين الإيطاليين بإنزال علم الاتحاد الأوروبي وأبدله بعلم إيطاليا في حركة احتجاجية تكررت في أكثر من مناسبة خلال الأيام القليلة الماضية. هناك خيبة أمل وربما مرارة في نفوس كثير من الإيطاليين وهم يرون شركاءهم الأوروبيين يديرون لهم الظهر في أزمة هي الأقسى والأشد خطورة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. عندما طلبت الحكومة الإيطالية المساعدة لم تستجب لها سوى دول أرادت مصالح سياسية على حساب تلك المساعدات، نتحدث عن الصين التي أرسلت مساعدات طبية وكذلك طواقم طبية ثم روسيا التي قامت بدورها بإرسال مساعدات إلى روما. أكثر من ذلك وفي حالة نادرة قامت دول أوروبية بالاستيلاء على شحنات مساعدات طبية كانت متوجهة إلى روما كما حدث في جمهورية التشيك وكذلك فرنسا التي استولت على شحنة سويدية متوجهة إلى إيطاليا. الأمر تكرر في شحنات متوجهة إلى دول أخرى فقد قامت السلطات التركية بمنع شحنة أدوات طبية متوجهة إلى إسبانيا، وقامت الولايات المتحدة بشراء شحنة كمامات طبية متوجهة إلى فرنسا من الصين ودفعت واشنطن ثلاثة أضعاف ثمن تلك الشحنة. أمام الوضع الكارثي في إيطاليا فمن الطبيعي أن تفقد الحكومة والشعب -على حد سواء- الثقة بمشروع الاتحاد الأوروبي برمته، خصوصا أن الحكومة الإيطالية تنتمي إلى اليمين الشعبوي الذي يرفض أصلا فكرة الاتحاد الأوروبي. فشل الاتحاد الأوروبي في وضع إستراتيجية صحية وفشل في إظهار التضامن بين دوله وفشل في إعطاء نموذج للتعاون الإقليمي، وما زال يعيش خلافات جوهرية حول الإستراتيجية الواجب اتباعها في مواجهة الكارثة الاقتصادية. فايروس كورونا قد يتم تجاوز الشق الصحي خلال قادم الأيام سواء بإيجاد علاج أو حتى بإجراءات الحجر الصحي المتبعة في معظم الدول الأوروبية، ولكن التكلفة الاقتصادية باهظة وهي بحاجة إلى خطة تكاد تشابه مشروع مارشال لإعمار أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. أمام كل هذا يبدو السؤال حول فكرة الاتحاد الأوروبي وإن كانت قادرة على الصمود مشروعاً في ظل التطورات الأخيرة، وفي ظل تغيرات عالمية ربما ترسم عالماً مختلفاً يمكن تسميته (عالم ما بعد كورونا).

من المبكر القول بأن المشروع الأوروبي يترنح أو على وشك السقوط، ليس لقناعة الدول الأوروبية وشرائح من المجتمعات الأوروبية بجدواه، ولكن لأن مصلحة معظم الدول الأوروبية تفرض وجود هذا التجمع الإقليمي، لا قبل لمعظم تلك الدول منفردة بمواجهة عالم فيه أقطاب كبرى وتجمعات اقتصادية وسياسية، سواء الصين أو الولايات المتحدة أو روسيا. صحيح أن المشروع الأوروبي يعاني من عوار بائن وصحيح أن مؤسساته تعاني من ترهل بيروقراطي وصحيح أنه فشل في كثير من الامتحانات خلال السنوات الماضية، ولعل الضربة القاسية التي تعرض لها قبل أشهر قليلة كانت كبيرة وحاسمة وهي البريكست وانسحاب بريطانيا منه، صحيح أنه أناني وقاس، ولكنه يبقى خيار القارة العجوز الوحيد والمتاح خلال السنوات القادمة.


* باحث سياسي

ramialkhalife@