خادم الحرمين الشريفين يستضيف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الرياض هذا اليوم الإثنين ولمدة يومي عمل مكثف، سيكون فيها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ربان المفاوضات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الجانب الروسي، وتأتي الزيارة باعتبارها الأولى منذ استلام الملك سلمان لمقاليد الحكم في السعودية، والثانية بعد الزيارة الملكية السعودية لروسيا في سنة 2017، وهناك منتدى استثماري يعتبر الأضخم من نوعه في تاريخ العلاقات مع روسيا سيحضره أكثر من 300 مشارك من الوزن الثقيل، وسيقام بالتزامن مع حضور القيادة الروسية، وصندوق الثروة السيادية الروسي افتتح قبل أيام مكتباً في المملكة يعتبر الأول خارج روسيا، بجانب الشراكة القائمة بين الصندوق الروسي للاستثمار المباشر والصندوق السيادي السعودي في صندوق استثمار واحد، وهذا الصندوق اعتمد ومول ما يجاوز 25 مشروعا مشتركا بقيمة إجمالية تخطت حاجز المليارين ونصف المليار دولار، وتنوعت في مجالات، من بينها التكنولوجيا والطب والنقل والبنية التحتية، وتم التجهيز لبرنامج ثقافي مصاحب يستضيفه مركز الملك فهد الثقافي بإشراف من وزارة الثقافة عنوانه: «الثقافة الروسية في الرياض».

المملكة وروسيا هما أكبر دولتين نفطيتين في العالم بشكله الحالي، والاتفاقات العسكرية والاقتصادية ليست جديدة، فقد أبرمت المملكة 14 اتفاقاً مع روسيا في زيارة الملك سلمان التاريخية سنة 2017، والمؤكد أن حصيلة الاتفاقات سترتفع في الرياض لتصل إلى 144، وذلك بعد التوقيع على 130 اتفاقاً وعقداً اقتصادياً خلال الزيارة، وربما الجديد هو وجود ملفات مهمة ستبحث، بحسب ما أكدت عليه تصريحات الرئيس بوتين في مقابلة تلفزيونية مع «قناة العربية» يوم أمس الأحد، ورأيه في الهجوم الأخير على منشآت أرامكو النفطية، والتي قال فيها بأنه سيناقش مع القيادة السعودية تأثير هذه الاعتداءات على مستقبل أسواق الطاقة، وتشديده بأن روسيا واستخباراتها لا تعلم شيئاً عن هذا الهجوم، وفي هذه المعلومة تعزيز لفكرة أن التصرف كان فردياً ومن جانب إيران وحدها، وهو المتوقع، ويجوز أن نقول بأنها قامت به لخدمة أغراض وطموحات سياسية واقتصادية معروفة، وقد أشار بوتين في المقابلة التلفزيونية إلى دور المملكة باعتبارها لاعبا دوليا مهما على المستويين الاقتصادي والسياسي وركنا أساسيا في معادلة حل أزمات المنطقة، وما قاله لا يخرج عن كونه تأكيدا للمؤكد، فالمملكة عملت وما زالت تعمل وستعمل على سد الفراغات والجيوب السياسية التي تحاول إيران ومعها تركيا وبعض الجيران المشاكسين استثمارها لمصلحتهم.

الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات السعودية الروسية لا يمكن حصرها في عناوين محددة، وقد تتناول الشراكة الاقتصادية مع روسيا والصين في طريق الحرير الذي تعتبر منطقة جازان السعودية واحدة من محطاته، وبما يحقق إيجاد بديل للرأسمالية التقليدية بمفهومها الأمريكي، بالإضافة إلى الشراكة العسكرية بتأسيس تحالف صيني روسي سعودي يوازي ضخامة (حلف وارسو) ويقابل (حلف الناتو) الذي تتزعمه أمريكا وتستفيد تركيا من عضويتها فيه وتأييده لها في هجومها العسكري غير المبررعلى سـورية، وبالتالي يبرر استمرار تركيا في تعنتها رغم الإدانات الدولية من غالبية دول العالم، باستثناء قطر، والإدانات من مجلس الأمن ومن دول أعضاء في الحلف العسكري، والمطالبة بعودة سورية إلى المنظومة العربية والدولية وبالكيفية المناسبة لإيصال صوتها إلى المجتمع الإقليمي والدولي، ولا نستبعد أن يجترح اتفاق روسي سعودي يفيد في الخروج بموقف موحد في مجلس الأمن يدين الاجتياح العسكري التركي للأراضي السورية، ويقر مؤاءمة سياسية متوازنة لمساعدة سورية في الخروج من أزمتها، ويمنع تركيا من تقسيم سورية وفق شروطها ورغباتها، والمملكة كانت وما زالت ضد التقسيم وانعكاساته السلبية على المنطقة، ومع الحل السياسي ووحدة سورية واستقلالها.

الاتفاق ما بين المملكة وروسيا ومعهما الصين مطلوب في المرحلة القادمة، والوصول إليه سيفيد بالتأكيد في إيجاد حلول للمشكلات المتراكمة في محيطنا الإقليمي، وسيعمل على بناء اقتصاد يقوم على المنفعة المتبادلة لا على افتعال الأزمات وعسكرة الاقتصاد، والسياسة الخارجية السعودية براغماتية تعتمد مدرسة «السياسة الواقعية» في أولوياتها ولا تقيدها تحالفات أو شراكات حتى إن كانت مع أمريكا.