علي بن محمد الحكمي
يقول العالم الألماني أستاذ الفلسفة والمنطق إدموند هوسرل الذي تأثر بالاتجاه النفسي في الفلسفة، ثم اتجه بعد ذلك اتجاهاً معاكساً نحو الاهتمام بالماهيات الخالصة، تجلَّى ذلك في كتابه «البحوث المنطقية»؛ إذ نفى أن تكون العلاقات المنطقية خاضعة للتأثيرات السيكولوجية، وأكد في المقابل خصوصيتها وارتباطها بعالم الماهيات المعقولة التي تمثل حقائق ثابتة، ليست نتاج الشعور وذلك ما أكده هوسرل وتوسع فيه تحت مسمى القصدية، وهي فكرة محورية في فلسفته الظاهراتية أو الفينومينولوجيا؛ وهي فكرة تتعارض إلى حد كبير مع أفكار الوجودية التي تبناها جان بول سارتر، ولا تلتقى معها إلا في مبدأ واحد فقط، وذلك لأن أساس الوجودية يقوم على الوجدان، أما الظاهراتية تقوم على المنطق والموضوعية، وقد أتى بها إدموند لإنقاذ العالم الأوروبي من العلموية التي يرى أنها سوف تؤدي به إلى الانهيار، وهي بشكل مبسط منهج بحثي يعتمد على الوصول إلى أكبر كم من المعرفة الموضوعية بعيداً عن التقييم أو الحكم الذي قد يؤثر عليه التصور أو اللاشعور، فخالف بذلك كل علماء القرن التاسع عشر، وحتى أبسِّط أكثر قول هوسرل، فإننا عندما نتصور أن الشيء الذي بجانبنا هو ثعبان وليس حبلاً، فإننا نخاف ونهرب منه، وعندما نتصور أنه حبل وليس ثعباناً فإننا نسكن ونهدأ ولا يتملكنا الخوف، وبالتالي أريد أن أقول، نحن نبني الأحكام على تصورنا للأشياء ولا نبنيها على الأشياء نفسها، فعندما تصورنا وبنينا صورة للحبل الذي بجانبنا في اللاشعور بأنه ثعبان هربنا وخفنا وابتعدنا عنه فلم يكن هروبنا ناتجاً عن مخافتنا من الحبل بل كان نتاج تصورنا له، والمنطق يقول إن الحبل ليس مؤذياً وبذلك يجب أن يكون الحكم عليه من خلال الفينومينولوجيا التي تعني دراسة الظواهر، وتلك الظواهر التي تدرسها الفينومينولوجيا هي ظواهر الوعي، أي ظهور الموضوعات أو الأشياء في العالم الخارجي في الوعي كما هي وليس كما يتصورها اللاشعور، وفي دراستنا للرياضيات معظمنا لا يطبق فلسفة إدموند هوسرل، وندرس ظاهرها أو ما هي عليه حقاً، بل نطبق عكس النظرية تماماً وندخل التقييم والحكم مع الدراسة لها ونصدر حكماً بصعوبتها بتصورنا عنها في اللاشعور والذي بدوره يؤثر على دراستنا لها - من هنا يجب أن نقول إن الرياضيات يجب أن تدرس بموضوعية ومنطقية دون تقييم أو حكم، وإذا كان ولا بد من إصدار حكم عليها فليكن بعد دراستها وسنجد أنفسنا حينها نقول بصوت عالٍ «الرياضيات حبل يا سادة».

alshshekh55@hotmail.com