-A +A
عبدالرحمن الطريري
في خضم الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، كان للقوة الناعمة أهمية كبرى لا تقل عن أهمية القوة الاقتصادية أو العسكرية، والقوة الناعمة تمثل الروائح التي تقحمها في الهواء، لتزكم أنوف من يستنشقون هذا الهواء، وتؤثر في الوعي واللاوعي الذي يدفعهم لا شعوريا لتشكيل قناعات قد لا تكون دقيقة.

فموسكو لم تسقط بدبابة أمريكية، بل سقطت يوم فتح ماكدونالدز أول فرع له في عاصمة الاتحاد السوفيتي، هذا لا يقلل بالطبع من المسؤولية السياسية للنظام السوفيتي والأخطاء التي أدت إلى سقوطه، لكن خارج البلدين كان هناك بون شاسع بين صورة واشنطن وصورة موسكو، وهذا بلا شك أسهمت فيه بشكل رئيسي هوليوود.


واليوم استخدمت روسيا كأس العالم بطريقة مثلى لإعطاء صورة أكثر من رائعة، ولنأخذ الأمن على سبيل المثال، فلم نسمع عن حادثة واحدة من الحوادث المعتادة في كأس العالم، مثل سرقة غرف لاعبين أثناء المباريات، وكثير من الحوادث التي سمعنا عنها في مونديال البرازيل وجنوب أفريقيا.

ومسألة ضبط الأمن في الظروف العادية لاستضافة كأس العالم أمر صعب، وحين تكون في دولة مثل روسيا فهو أصعب، نتيجة ما خلفه التدخل العسكري في أوكرانيا وسورية، بل إن هذه التدخلات العسكرية وظفت بإيجابية لتشكيل صورة عن قوى كبرى عادت لتؤثر في عدة أماكن.

وصورة الدولة القوية ارتبطت أيضا بصورة الزعيم القوي، فصور الرئيس فلاديمير بوتين كاشف الصدر وهو يرتدي صهوة جواد أو يصيد السمك ليست عفوية، والصور التي تظهر لقاءه بالرئيس أردوغان والرئيس روحاني تحمل رسالة لواشنطن وتل أبيب والعالم بأنه المفتاح الوحيد للحل في سورية، مهما أرعدت خطب العنتريات الرنانة.

القوة الناعمة مهمة مع الأصدقاء ومع الأعداء على حد سواء، اليوم على سبيل المثال يمثل حس الفكاهة الإبداعي من مستخدمي تويتر السعودية، قوة ناعمة كبرى أسهمت في انتشار النكتة السعودية من المحيط والخليج، والدعابة في نهاية اليوم هي مركب يحمل على ظهرانيه صورا من ثقافة البلد.

في مصر على سبيل المثال، كانت القوة الناعمة الضاربة في العالم العربي في النصف الثاني من القرن الماضي، فحين تقول أغنية فأنت تعني أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم بشكل رئيسي، وحين تقول فيلم عربي، فأنت على الأرجح تعني فيلما مصريا.

وقد استثمر السياسي في مصر بشكل كبير في الدراما لتمرير رسائل كل مرحلة، للتأثير داخليا وعربيا، لكن الدراما المصرية لم تكن بعيدة عن الصراع بين مصر وإسرائيل في مرحلة ما بعد كامب ديفيد، فعبرت الدراما المصرية عن إنجازات وبطولات الجيش المصري في 73، لكنها وهذا الأهم عبرت عن تفوق في العمل المخابراتي عبر عدة أعمال، أبرزها كان مسلسل رأفت الهجان.

إسرائيل من جانبها تسعى لخلق صورة ذهنية بأنها الجيش الذي لا يقهر، وبأنها الأكثر تفوقا على مستوى العمل المخابراتي، وأن الموساد جهاز لا يقهر، وفي خضم صراع الصور الذهنية بين البلدين، صدر كتاب الملاك قبل سنوات، والذي تناول سيرة أشرف مروان صهر الرئيس جمال عبدالناصر ومستشار الرئيس السادات، والكتاب لأوري بار جوزيف.

أشرف مروان شخصية جدلية زاد من الجدل حولها سقوطه من بلكونة شقته في لندن 2007 على طريقة سعاد حسني، ولم يتوقف الحديث عن كونه عميلا مزدوجا، أو أنه عمل لدولة وخدع الدولة الأخرى، ولترسيخ وجهة النظر الإسرائيلية يستعد نيتفليكس لعرض فيلم الملاك المقتبس من الرواية في 14 سبتمبر الجاري، ولا شك أنه سيخلق مزيدا من الجدل بطبيعة أن الجمهور المتوقع للفيلم أكثر من جمهور الكتاب.

في خضم هذا الصراع حول الملاك وشيطان التفاصيل، تتضاعف في عالمنا اليوم أهمية العمل على تراكم الصورة الذهنية عن دولنا وقيمنا ومصادر قوتنا، وتتعاظم أيضا أهمية النفوذ في شبكات مثل نيتفليكس، ستحدد في يوم قريب خيارات المشاهدة وخيارات حجب المشاهدة.

* كاتب سعودي

Twitter: @aAltrairi

Email: me@aaltrairi.com