يعيش المجتمع الحضري في حالة ازدواجية مع الأخلاق القبلية، وعلى الرغم من أن مرجعية القبيلة في التزاماتها والعادات التي تحكمها تجعل الفرد ينظر لنفسه كنِد مهما اختلفت الفروق والنفوذ بين الأفراد، إلا أنه لا يشعر بذلك في المدينة التي تتحدد في أنساق طبقية مختلفة، وبالتالي فإن القبلية وإن ظهرت بخط متواز مع المدنية إلا أنها تعرقل الإصلاح الثقافي والاجتماعي فيها، فهي تفرض على الفرد فكرا وسلوكا متناقضا مع المعطيات المدنية.

القبيلة تفرض الواجبات في سلوك الفرد، وهذا الفرض انتقل بشكل لا شعوري إلى الفكر الحضري، وقد جرى الاعتراف بأن الأفعال عموما إذا جاءت امتثالا للواجب وليس لأجل الواجب نفسه، لا تكون أفعالا أخلاقية صادقة، فالانصياع للواجب قد يأتي في سبيل إرهاق الفرد لنفسه حين لا يكون ذاتيا، بمعنى أنه لا ينعكس عن الرغبة الخالصة.

هناك من المتمدنين وغيرهم من يشعر أن في مرجعية الجماعة هوية وانتماء، ويراها مصدرا للمفخرة والشرف برغم أنها لم تعد طوق النجاة كما في السابق، وبرغم أنها في أصل تكوينها قائمة على عنصرية واتحاد لا يقبل الآخر، وهذا يعزز مفهوم المحافظة الثقافية، ويعني ذلك أن التمدن لم يحل إشكالية التعصب في فكر الفرد لإيجاد تعددية ثقافية يفرضها التحضر، فالإشكالية الحضارية تقع بين نمط العيش في مراحل ضمن منظومة حضارية متطورة، وبين نمط متحجر في كهوف الماضي ومتكون في أصل ثقافة الفرد الذي لا يشعر بقيمة في ذاته إلا من خلالها، وهذا من شأنه أن يوجد صعوبة في تقبل أي فكر أو منهجية جديدة للوصول إلى بدائل حضارية حقيقية.

حينما يتم التماهي عبر تعزيز هذا الدور، فالوضع يعبر عن حالة مرضية تُصعّب الاندماج في المجتمع الحضري، وتُبقي المجتمع بأكمله منغلقا على ذاته، فهي تعمل بشكل مضاد للحضارة، والعلاج يبدأ من تشخيص ضعف القيم القبلية المُرتَجلة والخيالية، فالأخلاق القبلية ليس لها وزن أمام القوة التي تخلقها التعددية الثقافية، التي تبنى على الجانب الإنساني والأخلاقي أولا.