تتبع إدارة القسم النسائي تدابير صارمة تمنع من خلالها التصوير داخل مستشفى الصحة النفسية. (عكاظ)
تتبع إدارة القسم النسائي تدابير صارمة تمنع من خلالها التصوير داخل مستشفى الصحة النفسية. (عكاظ)
-A +A
سهى العرابي (الطائف)
في حي شهار الشهير غرب الطائف، يقع مستشفى الصحة النفسية والمعروف على نطاق شعبي بـ«شهار»، ويقبع داخل أسواره المحصنة نحو 356 نزيلا ترفض أسرهم تسلمهم، ما يفاقم من أزمة السعة السريرية في المستشفى الأكثر شهرة في النطاق الشعبي، حتى أن رئيسة أقسام التمريض في القسم النسائي بالصحة النفسية (شهار) آمنة أبو طالب بينت في حديثها إلى «عكاظ» أن المستشفى يضم 670 من النزلاء، من بينهم 232 امرأة، مشيرة إلى أن عدد من يرفض أهلوهم تسلمهم بمنطقة مكة المكرمة بلغ 230 ومن خارج المنطقة 126 نزيلاً.

وفي جولة صحفية لـ«عكاظ» داخل الأقسام النسائية للمستشفى، تبرز مطالبات لعاملات في المستشفى بإنشاء دور للنقاهة لاستقبال المتعافين الذين لا يجدون مأوى لهم عقب رفض أسرهم استقبالهم، حتى تنفرج أزمة السعة السريرية في المستشفى، كما تبرز مطالبات بتخصيص ميزانية للترفيه عن النزيلات، وإضافة مزايا مالية للممرضات.


وفي أحد أجنحة القسم النسائي في المستشفى والتي تبلغ خمسة، تعيش أكبر نزيلة تجاوز عمرها 90 عاماً، وسط إجراءات وتدابير مشددة لمنع التقاط صورة صحافية أثناء جولة «عكاظ».

يبدو أن تأخر تنفيذ مشروع ترميم مبنى نزيلات بالقسم النسائي في مستشفى الصحة النفسية، يثير أزمة حقيقية للنزيلات والعاملات معاً وذلك عقب مرور أكثر من عامين على تسلم المشروع، ما تسبب في تكدسهن لزيادة الأعداد في القسم.

ويرى عاملون في المستشفى أن معاناتهم مع النزيلات تضاعفت عقب ما أسموه بـ«غياب التعاون» بين وزارة الصحة ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية والمراكز التأهيلية، كما أن عدم وجود دور نقاهة في الطائف يفاقم المشكلة.

«عكاظ» كشفت من خلال جولات ميدانية على مستشفى الصحة النفسية في الطائف وجود أكثر 28 مسنة في جناح رقم (1)، ويتطلعن إلى رعاية اجتماعية جيدة.

وتقول رئيسة أقسام تمريض النساء في الصحة النفسية آمنة أبو طالب في حديثها إلى «عكاظ» إن دور الممرضات السعوديات كبير جدا داخل أجنحة النزيلات، إذ يقدمن أكثر من دورهن، مضيفة: «الممرضات يقمن بالتمريض والرعاية الشخصية للنزيلات من تنظيف وأكل وشرب وتغيير واستحمام على خلاف الفكر السائد، فعملنا إنساني».

5 أجنحة للنساء في «شهار»

وتحوي الأقسام النسائية في مستشفى «شهار» خمسة أجنحة للنزيلات، ويسمى الجناح الأول بـ«مسطحات»، وعادة يكون لـ«الإقامة الطويلة» والمسنين، كما أن الجناح الثاني يعد جناح الدخول، وتستقبل فيه الحالات الجديدة المحولة من الطوارئ ويتم بهذا القسم تشخيصها وتقييمها ومن ثم تنويمها فترة لا تتجاوز عدة أشهر، حتى تقرر الأخصائية والمشرفة خروجها أو تحويلها لأحد الأجنحة الأخرى.

فيما خصص الجناحان (3 و5) للإقامة، إذ يضم جناح (4) مرضى «التخلف العقلي» الذين يحتاجون إلى الإقامة الطويلة.

وتوضح أبو طالب أن الجناح (1) يحتوي على حالات المقعدين و«المسطحين» وهم عادة متماثلون للشفاء أو متحسنون ويتم رفضهم من قبل أسرهم وهو من المفترض في حالة رفضهم أن يتم تحويلهم للرعاية الاجتماعية أو عمل دور لنقاهة خاصة بالمتعافين لحل أزمة السعة السريرية بالمستشفى.

وأشارت إلى أن ثلاثة أرباع طاقم التمريض في المستشفى مصابات بـ«الدسك في الظهر» بسبب عملهن ورفعهن للحالات وخصوصا حالات المسطحات أو المقعدات، إضافة إلى ما يتعرضن له من الإيذاء من قبل بعض الحالات المنومة في المستشفى.

وأكدت أبو طالب إتاحة الزيارات لذوي النزيلات على مدار العام وبشكل يومي من الساعة 3 عصراً حتى 9 مساء، مشيرة إلى وجود أماكن مخصصة للزيارة ومؤمن بها الحاجات.

وتعرج أبو طالب على إحدى النزيلات التي تجاوزت فترة مكوثها في «شهار» أكثر من 38 عاماً، فيما تبين أن أكبر النزيلات يتجاوز عمرها 90 عاماً، مستدركة «يوجد بعض النزيلات صغيرات في العمر، وكذلك شابات ولكن سرعان ما يخرجن».

وبينت أبو طالب أن المستشفى يضم 670 من النزلاء، من بينهم 232 امرأة، مشيرة إلى أن عدد من يرفض أهلوهم تسلمهم بمنطقة مكة المكرمة بلغ 230 ومن خارج المنطقة 126 نزيلاً.

وفي الأعوام الأخيرة، استقبل مستشفى «شهار» حالات منقولة من خارج منطقة مكة المكرمة، بسبب أزمة سريرية في عدد من المستشفيات، كما يستقبل المستشفى عددا من حالات منقولة من مستشفيات العاصمة المقدسة أثناء موسم الحج، ويعاد نقلهم إليها بعد انتهاء النسك. وتؤكد أبو طالب أن عمل الممرضات لا يقتصر على النزيلات بل يمتد لخدمة ما يربو على 40 نزيلاً مسناً لا يقوون على المشي.

غالبية الحالات النسوية في المستشفى «انفصام» و«اكتئاب»

كشفت الأخصائية النفسية بمستشفى الصحة النفسية عائشة القاسمي أن حالات الانفصام تشكل غالبية الحالات النسائية في مستشفى الصحة النفسية، مبددة وجود معالجة إدمان للنزيلات، «لا يوجد إدمان وأكثر الحالات التي تراجع العيادات من النساء مصابات بالاكتئاب والانفصام على خلاف الأقسام الرجالية، إذ الأغلب الإدمان والتخلف العقلي».

وقالت القاسمي لـ«عكاظ» إن المجتمع لا يزال لديه الفكر «الفرعوني» عن المريض النفسي بإطلاق صفة «الجنون» عليه، محملة الأسرة نسبة 90% في معاودة الانتكاسة النفسية، «السبب الأول والرئيسي للانتكاس عدم وعيهم وثقافتهم بالتعامل مع المريض النفسي».

فيما شددت الأخصائية الاجتماعية مروة محمد نوح على ضرورة وجود جمعيات تتابع الحالات بعد خروجها «وإن دور الأخصائي الاجتماعي ينتهي بتسليم الحالة وهو ما نطالب بإنشاء جمعيات للنقاهة لانتقال المتعافين والمرفوضين، وذلك بسبب ما يواجهه الأخصائي والأخصائية من سب وشتم واعتداء من الأسر الرافضة لاستقبال الحالة بعد تماثلها بالشفاء».

وأشارت إلى أن «الحيل الدفاعية» التي يستخدمها البعض للهروب والتملص من قضايا أمنية وقانونية كبيرة «هي أصعب الحالات التي تواجه الأخصائي».

وأشارت الأخصائية النفسية بالمستشفى عائشة القاسمي، إلى وجود تعاون مع السجون لمعرفة القدرات النفسية والاجتماعية لمرتكبي الجريمة حسب المقاييس في الحالات المحولة إلى المستشفى من السجون، مضيفة «يتم التعامل معها وفق الأنظمة والضوابط ويتم تشخيص الحالة وتأهيلها للعلاج ورفع التقارير لإدارة السجون ولذلك يوجد قسم خاص بالمحولات من السجون النسائية ليتم التعامل مع الحالات بالتشخيص ومن ثم تحديد المقاييس الخاصة للمباشرة في علاج الحالة أو إعادتها للسجن في حالة عدم وجود مرض نفسي».

وعن أسس العلاقة بين الأخصائية والنزيلة، ترى الأخصائية الاجتماعية مروة محمد نوح أنه يجب أن يحافظ الأخصائي على السرية التامة في التعامل مع المريض، «لقد أقسمنا على احترام أخلاق المهنة، ونتعامل مع المرضى من منطق أخلاقي وإنساني».

وأضافت: «السرية التامة تكمن في عدم إفشاء حالتهم احتراما وتقديرا للحالة، إذ لا يتم إفشاء أسرارهم أو معلوماتهم حتى للطبيب وخصوصا الأمور الخاصة التي تقال من باب معرفة تاريخ الحالة، فكثير من الحالات تفضل عدم إخبار الأطباء أو غيرهم عن حالتهم خصوصا الذين يعانون من بعض الأمراض النفسية مثل الاكتئاب والقلق».

..ومقاييس لكشف ادعاءات «المرض النفسي»

في كثير من القضايا الجنائية يبرز ادعاء الجنون حتى تسقط التبعات القانونية من وراء ارتكاب الجرم، وتسمي الأخصائية النفسية عائشة القاسمي الحالات بـ«حيل دفاعية»، وترى أنها أصعب ما يواجهه العاملون في المستشفى، مشيرة إلى وجود مقاييس تكشف حقيقة ادعاء المرض النفسي.

وتوضح القاسمي أن أقدم حالة دخلت مستشفى الصحة النفسية (شهار) عمرها (35 عاما) وهي الآن على مشارف (90 عاماً)، وأن أصغر حالة دخلت عندما كان عمرها (13 عاماً)، وهي الآن شابة (28 عاماً).

وفي حالة عدم تسلم أهل المريضة النزيلة بعد مثولها للشفاء، تبقى النزيلة في المستشفى ما يفاقم أزمة السعة السريرية في أكبر مستشفيات الصحة النفسية في المملكة، وتقول إحدى الأخصائيات: «هذا ما يدفعنا للمطالبة بإنشاء دور نقاهة لاستيعاب الحالات بعد خروجها والمرفوضين الذين تماثلوا للشفاء تتكون من أخصائيين وأخصائيات نفسيين واجتماعيين وخادمات صحيات للحالات المتحسنة».

«مصففات شعر» للنزيلات.. و«العجز» يؤرق الممرضات

يمثل مستشفى الصحة النفسية في الطائف مرجعا كبيرا لمثيلاته من المستشفيات في المملكة، حتى إن «شهار» (اسم الحي الذي يقبع فيه المستشفى ونسب إليه في التسمية في الأوساط الشعبية)، بات بيئة آمنة وأسلوب حياة لمن يعاني من أمراض نفسية، الأمر الذي تؤكده نائبة رئيسة قسم التمريض النسائي نجلاء العتيبي بإشارتها إلى وجود قسم لـ«كوافير» النسائي المعني بتصفيف الشعر والعناية النسائية بالمظهر.

وتوضح العتيبي في حديثها إلى «عكاظ» أن «الكوافير النسائي» يضم خدمات كتصفيف الشعر، القص والحناء وتقليم الأظافر، لافتة إلى أن لكل نزيلة أغراضا خاصة مثل «المشط وفرشة الأسنان» وتقوم الممرضة بمتابعة تفريش الأسنان بشكل يومي وتصفيف الشعر.

وأكدت العتيبي رغبة كثير من الحالات في البقاء بالمستشفى بعد تماثلهن للشفاء لتعودها على الحياة داخل المستشفى، مضيفة «تفاجأنا يوم العيد لهذا العام بزيارة إحدى النزيلات اللواتي تماثلن للشفاء بعودتها لمشاركة أخواتها النزيلات العيد وأبت إلا أن تقضي العيد داخل المستشفى».

وطالبت بتخصيص موازنة خاصة في القسم الترفيهي، كون النزيلات يحتجن إلى ترفيه، مستغربة من عدم وجود ميزانية للترفيه في المستشفيات النفسية، وأن «كل ما يقام من احتفالات ومناسبات يكون من حساب الممرضات والمشرفات الخاص فنحن نحتاج ميزانية ونطالب بصرف ميزانية خاصة لتفعيل البرامج والفعاليات أسوة بغيرنا».

واعترفت العتيبي بوجود ما اسمته بـ«العجز الكبير» في الكادر التمريضي في القسم النسائي بالمستشفى، مشيرة إلى أن عدد الممرضات لا يتجاوز الـ 166 ممرضة يعملن على خدمة النزيلات على ثلاث أوقات دوام، كما أن الممرضات يعملن على تغطية قسم الطوارئ وخمسة أجنحة.