إياد مدني
إياد مدني




غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
-A +A
علي الرباعي (الباحة) Al_ARobai@
من يرى الوزير إياد مدني عن بُعد يُجلّه ويهاب مقامه، ومن يقترب إليه يستحي ويخجل من الحديث في حضرة صرامة السمت وجلال الكبرياء المعرفي والفلسفي، إلا أنه بحكم العمل الخاص، والاتصال بمطبخ الصحافة وطهاته، وجراحيه، وملامسة الأحبار، واستنشاق رائحة الورق، وإسهامه في تهدئة الصخب المصاحب لإعداد المائدة اليومية أكسبه صفةً غير معلنة، تتمثل في توظيفه فن الكوميديا السوداء، كما في إصداره الأحدث «من بلاط صاحبة الجلالة»، ما يسفر لنا عن ذائقة كتابية ناقدة وساخرة وماهرة في صياغة المشاهد الدرامية الذاتية. لم يحل تخصص مدني الصناعي دون إطلالة حصيلته المعرفية، وبروز حليته الأدبية، وتجلي أسلوبه وأدواته الفنيّة، فما إن يصافحنا العنوان الأول في الكتاب «البلاط» حتى يحضر «برنارد شو» بتهكمه اللاذع، ومحمود السعدني بشقاوته الساخرة، وأحمد رجب باللقطات الذكية، ليكشف لنا الكاتب «الوزراء» أن تحت عباءة الوقار روح كوميدية ممكن أن تدفعك للتبسم والضحك، وإن كان ضحكا كالبكاء. في «البلاط» يحبك قصة مهاتفة مشرف صفحات الرأي ليبلغه بمطالبة رئيس التحرير بمقال بديل للمقال الذي بعثه، وكاتبنا الساخر في شبه غيبوبة من تلك الغيبوبات الناجمة عن تناول وجبة غداء دسم، تنافس فيه المرق مع السمن مع الكوليسترول المركّز بحسب وصفه. وبرغم أن مستقبل المكالمة أبلغ المتصل أن صاحبنا في سابع نومة، إلا أنه قال آمراً «صحوه»، فقال المتحدث: «طلب منا ألا نوقظه»، فكرر: «أقول صحوووه». ويقدم مدني الشخصية الإنسانية العفوية من خلال رسم درامي يكاد من شدة تعبيريته يُرى ايش يبغى سعد الحميدين؟ ويجيب: لا بد أن في الأمر قصيدة جديدة يريد إسماعه نصها، تناول سماعة الهاتف الأرضي، ليبدأ السؤال عن صحته وصحة الأولاد والأسرة، ويمتد التهكم المبطن، وصحة أولاد العمة والعم، والخال والخالة، وأحوال الطقس في جدة، وقراها، وما يجاورها، ليفصح عن مراده، ويبلغه أن «الأستاذ» يريد مقالة أخرى غير تلك التي أرسلتها هذا الصباح.

ويتابع مدني السرد بحس ساخر من كتابته بمنتهى الذكاء ليسقط القارئ المهجوس بالكتابة النقد الحاد على نفسه من خلال هذا المقطع المشهدي، أسقط في يد محسوبكم، فكل سطر يكتبه بكل ما فيه من أخطاء وركاكة وتكرار وخلط، يكتبه بطلوع الروح، فما بالك بمقالة طويلة عريضة تحتل ركناً بواجهتين في صفحة من صفحات الرياض. لم يستسلم الكاتب لطلب المشرف، جرّب إقناعه، وحاول قدر استطاعته أن يقنعه يمرر المقال «قلتُ له يميناً»، قال «يسارا»، قلت له خلفاً قال أماماً، سأله: طيّب والحل؟ فقال: قدامك نصف ساعة. هذه الحوارية جاهزة لمسرحتها وتطويرها لتغدو دراما متكاملة، لتوفر عناصر البناء الفني بها، المنظر المسرحي، واللُّغة، والفكرة، والحبكة، والشَّخصية.


وضع الكاتب سماعة الهاتف وانبرى للبحث عن فكرة مقال «وكأي مواطن أصيل خطرت بباله «كرة القدم» ليصول ويجول في ميدان الأقوال بتحليل أسباب هزيمة المنتخب، وكيف أن دفاعه لم يهاجم، وهجومه لم يدافع والمدرب لم يغيّر التشكيلة»، ويتصاعد السرد الساخر «ثم هناك مشكلة الجناح، والصدر، والورك، وبقية أجزاء الفريق، والحكم وصوت الصافرة». وبما أن الكتابة تكشف جوانب من شخصية كاتبها، فسيظهر لنا وجه مدني الرياضي «بالرغم من إغراء موضوع المنتخب إلا أني أحجمتُ مخافة ردود فعل الجمهور، فلو قلت إن ماجد عبدالله كان يلعب وهو ينعس لأيقظني جمهور النصر من عِز النوم. ولو قلت إن عبدالله الرشود كان هائماً على وجهه لأراني جمهور الأهلي نجوم الظهر». قرر الكتابة عن التراث والمعاصرة، فخشي تناول الحداثة بحكم أن بها منزلقات كرة القدم، وإذا كانت أقصى تبعات أخطاء كرة القدم «كرت أحمر» فملاذ الحداثيين إن غضبوا في تصنيفه بالكاتب الأحمر، فقرر أن يبعد عن الشر ويغني له. أراد أن يكتب في الشأن السياسي، وفجأة اكتشف انقضاء النصف الساعة المزمنة لكتابة مقال بديل فقال صائحاً بعصبية مذعورة «إن اتصل سعد الحميدين قولوا له: ذهب إلى لبنان». هذه المقالة كشفت لي شخصياً موهبة فذة وقادرة على الإمتاع بالكتابة الساخرة إلا إن أبى.