شريف بقنه
شريف بقنه




صورة غلاف الكتاب.
صورة غلاف الكتاب.
-A +A
علي فايع (أبها) alma3e@
100 قصيدة مترجمة إلى العربية أهداها الشاعر والمترجم شريف بقنه إلى ابنه الصغير جواد الذي رحل دون أن يخبره عن أشياء كثيرة، منها أنّ العالم أكبر بكثير من منزل جدّته وأنه أفظع منه كذلك!

يفتتح بقنه هذه القصائد المترجمة من لغتها الأم اللغة الإنجليزية بمقدمة عن الشعر وبقصيدة «لحظات» لبورخيس التي اختلف كثيرون على نسبتها إليه، لكنّ بقنه يؤكد في هامش هذا الكتاب أنّ نسخ هذه القصيدة قد تعددت وكذلك مؤلفوها، إلاّ أنّ هذه النسخة هي الأكثر شيوعاً ونسبة إلى بورخيس نقلاً عن مجلة (plural) الأدبية المكسيكية التي نشرتها في عدد مايو 1989.


أما القصائد التي تمّ انتخابها للترجمة في هذا الكتاب فقد انطلقت من رؤية المترجم للشعر وأنه لم يعد على ما يرام كما يقول تشارلزسيميك، بعد أن فغر رامبو القرويّ فاه، إذ تجاوز الشعر قالب البيت والقافية واللحن، وقوالب التعبير الكلاسيكية صوب قوالب القطعة الفنية العابرة للأنواع، لتصبح مهمة الشعر ومواضيعه أكثر تأملاً في ماهية الفن، وأكثر بحثاً عن الهوية، فبات الشعر أكثر تجزيئاً، وأقلّ شمولاً، وكانت النتيجة أنّ عاطفة الشعر تهذبت، ونضجت، واقترنت برؤى وأحداث ومواقف، وتخلّص النصّ من زوائده الجياشة، ونتوءاته الهوجاء كما يقول!

اعتمد بقنه في كتابه هذا على الترجمة الشعرية باعتبارها ضرورة حضارية، وثقافية، وبطاقة هوية لتقديم الثقافة وتعريف الأدب، إضافة إلى كون الشعر حصان المعرفة الفائز في ميادين التنوير والحداثة.

هذا الكتاب الصادر في 150 صفحة من القطع المتوسط عن دار ميلاد تحت عنوان: «بعد أن وُلدتُ حبسوني داخلي»، أكد من خلاله المترجم والشاعر شريف بقنه لـ«عكاظ» أنّ ترجمة الشعر تعدّ المركب الإبداعي الأكثر تعقيداً، لأنه يستحيل أن تكون القصيدة المترجمة نسخة النيجاتيف الفوتوغرافية للنص الأصلي، ويضيف أنه لا يجب أن تكون كذلك فما يصح في أمانة ترجمة الحقائق العلمية والقضايا الفكرية لا يصح في نحت المجاز الشعري، خصوصا أن الشعر يحتمل التأويل ويتقصد الغموض لتحقيق هدفه النهائي وهو التأثير الوجداني المباشر في لا وعي المتلقي وتحقيق مستوى من الدهشة في مخيلته عند انتهاء القصيدة، لكنه يستثني حالات معينة يستحيل أن تكون الترجمة فيها محكمة ومثالية، ويحيل بقنه بقاء مثل هذه الأعمال الأدبية وشيوعها إلى الحظ الوافر الذي حالف مترجميها، وتمكنوا من نقل ميزتها الإبداعية إلى ثقافتهم، ولا يتم ذلك إلا بسلوك طريق متوازن بين الفينة والأمانة، وباختيارٍ مواتٍ للكلمات، وتطويع مكافئ للمعاني دون ضغط خارجي، وعن الاختلاف بين النصّ المترجم والنصّ الأصلي يؤكد بقنه أنّ الترجمة الشعرية في الغالب تتأرجح بين شعر أفضل بقليل أو أسوأ بقليل عن أصله، ويصعب أن يكون بمستواه تماما، لكنه في كتابه هذا حاول أن يحافظ في هذه القصائد على كل ما للشاعر في قصيدته ابتداء من المفردة والتركيب مرورا بالفكرة الفائقة وخطّة القصيدة وبنيتها الجمالية وصولا لعلامة الترقيم، كما أنه حاول في هذه القصائد المترجمة أنّ يبقي على روح الشاعر حية في الوقت الذي كان عليه أن يقوم بعمله الفني ويعيد كتابة القصيدة وإخراجها وكأنها لم تترجم، لكنه قرّر أن يقبض على إيقاع النص الأصلي، وأن يعيد ضخه من جديد نصا مكتملا بكرا ومبتكرا.

أما النصوص التي تمّ اختيارها في هذا الكتاب فقد ذكر بقنه أنّ اختيار هذه النصوص التي ترجمها في كتابه هذا لم يكن بالمهمة اليسيرة، لأن الحصول على قصيدة تستحق الترجمة أكثر صعوبة من ترجمتها ناهيك عن الوقت المستغرق في القراءة والاطلاع الذي يوازي أضعاف وقت الترجمة، فترجمة قصيدة واحدة قد تستغرق أسابيع.

وأشار بقنه إلى أنّ أفضل ترجمة في الغالب هي ترجمة قصائد لم يسبق نقلها للعربية وهذا ما عمل عليه في كتابه هذا، إلاّ أنّ هذا لا يلغي ترجمته لقصيدة يعتقد بأنها لم تترجم من قبل، لكنه بعد الانتهاء من ترجمتها يكتشف عكس ذلك !

وعن النصوص الشعرية التي يختارها للترجمة يؤكد بقنه أنه لا يعتمد على القصائد المشهورة فقط، لكنه يعتمد أيضاً على القصائد المغمورة لشعراء مغمورين، لكنها تروق له، ولأنّ كل ما يهمه هنا أن يتصل ويتقاطع مع النصّ.