أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

فصل في الصحافة حين.. كانت!

يا لها من أيام عِذاب حين تستذكر صفحات عبرت بها تاريخ الصحافة وكتاب العمر. جفت المحابر، وتداعت الأقلام، وبقيت الذكريات نُصُباً شواهق، تذكرك بأعذب ما في العمر من ذكريات. كم كنت صبيّاً محظوظاً وأنت تنظر إلى خيط حياتك. تهانينا، لقد اجتمعت في حياتك أروع المُنى: لندن كمدينة، والصحافة كحياة. وما بين المدينة والمهنة تشكّلت الملامح الأولى لحكاية امتدت سنوات طويلة، واختلط فيها وهج الحلم بصلابة التجربة، حتى غدت الأيام نفسها مادة للحنين ومورداً لا ينضب للتأمل.

وها أنا ألتقي عثمان العمير بعد غيابٍ ليس بطويل. عام أو ما يقرّبه. وهنا في لندن حيث اجتمعنا لأول مرة وقدحت الشرارة حتى نثرت ضوءها وحرائقها في العالم. تنبّهت، ويا له من عمر طائر، أننا جاوزنا العقدين من العمر عدداً، في صداقة تجاوزت حاجز العمر، ومضت فتحوّلت إلى خبطات وصفحات وكلمات. سنوات مضت كأنها ومضة برق في ليل بعيد، لكنها تركت آثارها واضحة في الذاكرة، محفورة في الوجدان، لا تمحوها الأيام ولا تبدّدها المسافات.

ننظر إلى الحزم والسهل فنرى أن كثيراً من الكلمات تيبّست ولا تزال القلوع صامدة. مضى على ذلك المشروع الإعلامي المتميّز ربع قرن، وكثيرون توقعوا ألا يتمكن من المضي أكثر من مسافة شهور أو سنين معدودة. غير أن بعض المشاريع تملك من العناد ما يجعلها تعبر الرياح المعاكسة، وتستمر لأنها ولدت من إيمان عميق بفكرة سبقت زمنها، ورأت ما لم يره الآخرون.

لقد بدت إيلاف حينها طلقة ضوئية خارج ثقب الزمن في وقت كانت «النقاط العمياء» تمنع مؤسسات بأكملها من رؤية التحوّل الجديد وهو عالم الإلكترون والنقرات السريعة. وبالفعل كانت إيلاف منصة إعلامية متجددة جمعت الكثير من مبدعي العالم العربي وفتحت لهم النوافذ والأبواب. وكانت أيضاً مختبراً للأفكار الجديدة، وساحة رحبة للتجريب، ومنبراً وجد فيه كثير من الكتّاب والمثقفين فضاءً مختلفاً يتجاوز الحدود التقليدية للإعلام.

إيلاف ديجيتال كانت مجلة أطلقت وكُلّفت من ناشر إيلاف بتوليها مع الأستاذ الكبير بكر عويضة، وكانت قدحة شهاب إعلامية قبل أن يطلق ميردوخ مجلة ذا داي، وعزاؤنا أن ميردوخ أغلق مجلة ذا داي قبل أن نغلق إيلاف ديجيتال بسنين. في ذلك المكتب الدافئ في الضاحية اللندنية الحسناء، ريتشموند، كنا نجرب الأفكار الجديدة، ونحاول أن نكتشف هذا العالم الجديد الساحر المسحور، وكان ناشر إيلاف الأستاذ عثمان العمير يسأل ويتابع ويستفسر من كل أصقاع الأرض. وكانت النقاشات لا تنتهي، والأسئلة تتوالد من الأسئلة، وكأننا نقف على شاطئ قارة جديدة نحاول رسم خرائطها الأولى.

كانت لندن هي سر إيلاف، وإيلاف هي سر لندن، فقد كانت العاصمة التي جمعت مبدعي العالم العربي، ولا ينفك زوّارها عن الحضور، وكنا نلتقي بكل من نريد وقتما نريد. لقد كنت محظوظاً أنني قد تعلمت اللغة على يد الصحف اللندنية العظمى، وكانت ديلي ميل إفطارنا اليومي، وكتب جون سيمبسون الصوتية رفيقة جولات المشي. وكانت المدينة نفسها مدرسة مفتوحة، تعلمنا فيها كيف تُصنع الأخبار، وكيف تتحوّل الفكرة الصغيرة إلى مشروع كبير، وكيف يصبح الشغف وقوداً للمستقبل.

وأنا أحتفل بهذا المشروع الذي سعدت بكوني جزءاً منه، أتساءل كيف سيكون شكل مستقبل المهنة والعالم في ظل سطوة وسائل التواصل، وتداخل الاختصاصات، وتسارع التحوّلات التي تكاد تسبق قدرة الإنسان على التأمل فيها. وهذا المنظر المنظور يجعل الناظر ينظر نظرة إلى النجوم..! فكل جيل يظن أنه بلغ نهاية الطريق، ثم يكتشف أن طريقاً جديداً قد بدأ لتوه، وأن الصحافة، مثل الحياة، لا عن إعادة اختراع نفسها.

00:00 | 4-06-2026

شذرات عن الدبلوماسية الرقمية.. والعالم الجديد !

نحن أمام عالم يتغيّر بسرعة، وتتغيّر على إثر سرعته المتوقدة، كثير من المفاهيم التي اعتدنا عليها طوال سنوات وسنوات. لقد أضحت القوة الناعمة، التي تتحرك خلف السُتُر، نموذجاً لا يقل تأثيره عن تأثير القوة الصلبة، السافرة بأسلحتها وعتادها وجيوشها المتحفزة.

واليوم تُعد الدبلوماسية الاقتصادية أهم صور القوة الناعمة وأحد أهم أدوات التأثير في العلاقات بين الدول، إذ لم تعد القوة السياسية أو العسكرية وحدها معيار النفوذ العالمي، بل أصبحت الشركات الكبرى والاستثمارات والثقافة والسياحة والإعلام عناصر فاعلة في صناعة الصورة الذهنية للدول. فالدول التي تمتلك اقتصاداً قوياً وشركات قادرة على الانتشار عالمياً تستطيع بناء حضور مؤثر يتجاوز الحدود التقليدية للدبلوماسية، وهو ما يُعرف بالقوة الناعمة.

كما نعرف فإن القوة الناعمة هي قدرة الدولة على التأثير والإقناع من خلال الجاذبية الثقافية والفكرية والقيم الإنسانية، بدلاً من الإكراه أو الضغوط المباشرة. وتُعد الثقافة من أبرز مصادر هذه القوة؛ فالفنون والأفلام والموسيقى والأدب قادرة على نقل صورة إيجابية عن الشعوب وتعزيز حضورها عالمياً. وقد نجحت دول عديدة في توظيف الأدب أداةَ تأثيرٍ ناعم، مثل روسيا التي ارتبط حضورها الثقافي العالمي بأعمال دوستويفسكي وتولستوي، وكذلك بريطانيا التي عزّزت مكانتها الثقافية عبر أدب شكسبير واللغة الإنجليزية.

لكن القوة الناعمة قد تتحوّل إلى عبء عندما تفقد مصداقيتها أو تُستخدم بصورة دعائية مبالغ فيها، إذ إن التناقض بين الخطاب الثقافي والممارسة الواقعية يضعف التأثير ويُنتج مردوداً سلبياً. فالجمهور العالمي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الصورة الحقيقية والصورة المصنوعة إعلامياً.

في السياق السعودي، تمتلك المملكة مصادر متعددة للقوة الناعمة، أبرزها مكانتها الدينية، وثقلها الاقتصادي، وموقعها الجغرافي، إضافة إلى الإرث الثقافي والتاريخي العريق. كما أسهمت رؤية السعودية 2030 في إبراز صورة جديدة للمملكة تقوم على الانفتاح الثقافي وتمكين الفنون والسياحة والترفيه، ما عزّز حضورها الدولي بصورة ملحوظة.

ومن هنا يبرز مفهوم «الدبلوماسية الرقمية»، وهو توصيف حديث يشير إلى استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في التواصل مع الشعوب وصناعة التأثير السياسي والثقافي. ويُعد هذا المفهوم امتداداً طبيعياً للدبلوماسية التقليدية، لكنه يعتمد على سرعة الوصول والتفاعل المباشر مع الرأي العام العالمي.

وعلى الضفاف ذاتها فإننا نشاهد الدور المهم للدبلوماسية، فهي توظّف الثقافة والفنون والتعليم والتبادل المعرفي لبناء جسور التفاهم بين الشعوب. وترتبط بها الدبلوماسية العامة التي تهدف إلى التواصل مع المجتمعات الأجنبية مباشرة، وليس فقط مع الحكومات، من أجل تعزيز صورة الدولة ومصالحها. وهذا ما يجعل دور المثقف له أهمية كبرى بوصفه حاملاً للوعي والمعرفة، والقادر على تفسير التحوّلات الاجتماعية والثقافية وصناعة الحوار الحضاري.

أما الصحافة الورقية، فرغم تراجع انتشارها أمام الإعلام الرقمي، فإنها لا تزال تحتفظ بقيمتها المهنية والمعرفية، خصوصاً لدى النخب والمهتمين بالتحليل العميق؛ ولذلك ما زال مستقبلها قائماً وإنْ بصورة مختلفة عمّا كان عليه سابقاً، ولا بد أن تبقى باعتبارها الصورة الأخرى لحفظ التاريخ، وسجل العالم المحفوظ.

00:19 | 28-05-2026

الصحف ليست مجرد ورق.. بل رافعة ثقافية

الصحف ليست مجرد أوراق تُطوى وتُلقى بعد ساعات من قراءتها، بل هي رافعة ثقافية وصوت يومي يرافق الإنسان في تفاصيل حياته. ورغم التحوّلات الرقمية المتسارعة، لا يزال كثيرون يشعرون بحنين جارف إلى ذلك الزمن الذي كانت فيه أكشاك الصحف أشبه بمكتبات صغيرة مفتوحة للجميع، تقدّم المعرفة بصورة سريعة وخفيفة، بعيدة عن تعقيد الكتب المتخصصة وطولها. كانت الصحيفة مساحة تجمع السياسة والثقافة والفكر والأدب في صفحات محدودة، لكنها قادرة على منح القارئ صورة واسعة عن العالم خلال دقائق قليلة.

لقد ارتبطت الصحف بحياة الناس ارتباطاً وثيقاً، فكانت رفيقة السفر والترحال، وحاضرة في المقاهي والمطارات ومحطات القطارات، بل وحتى في البيوت التي يبدأ صباحها برائحة الورق والحبر. وكلما زرت مدينة جديدة، أجد نفسي مدفوعاً نحو مكتباتها القديمة وأكشاك الصحف المنتشرة في شوارعها، لأن تلك الأماكن تمنح الزائر نبض المجتمع الحقيقي. وما يلفت الانتباه أن الدول الأوروبية، رغم تقدّمها التقني والاقتصادي الكبير، لا تزال تحافظ على حضور الصحف الورقية، التي تُطبع وتباع يومياً بأعداد كبيرة، في مشهد يؤكد أن التطوّر لا يعني بالضرورة إلغاء الورق.

وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن عالمنا الخليجي يتعامل مع الصحف وكأنها عبء قديم يجب التخلص منه سريعاً، بحجة أن الناس لم تعد تقرأ. غير أن هذا التبرير يفقد منطقه حين ننظر إلى النجاح الكبير الذي تحققه معارض الكتب في دول الخليج، حيث تباع مئات الآلاف من النسخ الورقية سنوياً. فإذا كان القارئ لا يزال يقبل على الكتاب الورقي بهذا الشغف، فلماذا نحاول القضاء على الصحيفة؟ هناك ورق ينجح ويُحتفى به، وهنا ورق يتم التخلي عنه، رغم أن كليهما يؤدي الدور نفسه في نشر المعرفة.

إن الدفاع عن الصحف ليس دعوة للعودة إلى الماضي بقدر ما هو دفاع عن قيمة ثقافية لا تزال قادرة على البقاء. فطالما أن الإنسان يجلس إلى طاولة صباحية يحتسي قهوته، ستظل الصحيفة جزءاً من هذا المشهد. كما أن للصحافة الورقية ميزة مهمة تتمثّل في قوة الفرز والانتقاء؛ فالمساحات المحدودة كانت دائماً تدفع إلى نشر الأفضل والأجود، لا الأكثر شهرة أو إثارة فقط.

وأزمة الصحافة اليوم ليست في ورقيتها، بل في غياب التجدّد الحقيقي. فلو استطاعت الصحف الخليجية تطوير محتواها وأدواتها بما يواكب العصر، لعاد إليها القارئ بشغف أكبر. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى دعم ثقافي حقيقي للصحافة، باعتبارها جزءاً من مشروع القراءة وحماية المهنة وصناعة جيل يرى في القراءة عادة يومية، لا مجرد واجب مدرسي عابر.

00:05 | 21-05-2026

السعودية تقرأ عالم العولمة.. والعدو الحقيقي هو الصراع

في عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، لم تعد السياسة مجرد شعارات حماسية أو خطابات تعبويّة، بل أصبحت فناً لإدارة المصالح وتجنّب الصدامات الكبرى. الدول التي فهمت طبيعة العصر الجديد أدركت أن التنمية والاستقرار لا يتحققان في ظل الحروب المفتوحة، وإنما عبر التفاهمات السياسية وبناء التوازنات الدولية. ومن هنا يمكن قراءة التحوّلات التي تقودها المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجاً لدولة تدرك طبيعة عالم العولمة، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي أكثر أهمية من المغامرات العسكرية.

التاريخ السياسي الحديث مليء بالشواهد التي تؤكد أن التفاهم بين الخصوم كان دائماً مقدمة للاستقرار. فالاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا مطلع القرن العشرين أنهى قروناً طويلة من الصراع بين «عدوي المانش»، وأسهم لاحقاً في تشكيل جبهة قوية استطاعت مواجهة التوسع الألماني والانتصار في حربين عالميتين. وقد بقي هذا التحالف رمزاً للتحوّل من العداء التاريخي إلى الشراكة الاستراتيجية، حتى إن الملكة إليزابيث الثانية احتفلت بمرور مئة عام على هذا التفاهم بوصفه نقطة تحوّل في تاريخ أوروبا الحديثة.

كذلك فإن اتفاقية وستفاليا التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا عام 1648 أسّست لمفهوم الدولة الحديثة وسيادة الدول، وهي المبادئ التي اعتبرها المفكر والدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر حجر الأساس للنظام الدولي المعاصر. ففي كتابه «النظام العالمي»، يشير كيسنجر إلى أن الاستقرار الدولي لا يتحقّق عبر فرض الهيمنة المطلقة، بل من خلال إيجاد توازنات تمنع الانفجار وتُبقي باب الحوار مفتوحاً حتى بين الخصوم. هذا الفهم هو الذي قاد لاحقاً إلى ما سُمّي بالعصر الذهبي للدبلوماسية الأمريكية خلال الحرب الباردة.

ولعل أبرز مثال على ذلك اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، التي أسهمت في تجنّب مواجهة نووية كارثية كانت تهدد العالم بأسره. ورغم استمرار الخلافات بين القوتين، فإن التفاهمات الاستراتيجية وفرت قدراً من الاستقرار العالمي. وحتى في شبه الجزيرة الكورية، فإن أي تقارب بين الكوريتين يُنظر إليه باعتباره انتصاراً للعقل السياسي على احتمالات الحرب المدمرة.

في هذا السياق، تبدو السياسة السعودية أقرب إلى قراءة واقعية لمعادلات العصر. فالمملكة، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، تدرك أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيداً من الصراعات، وأن تكلفة الحروب أصبحت أعلى من قدرة الدول على الاحتمال. لذلك فإن التفاهمات الإقليمية، سواء مع تركيا أو باكستان أو حتى مع إيران بعد الاتفاق الذي رعته الصين، تأتي ضمن رؤية تسعى إلى تخفيف التوتر وحماية الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ورغم أن بعض الأصوات لا تزال تقرع طبول الحرب مع إيران، فإن السعودية تبدو أكثر إدراكاً لتعقيدات المشهد. فهي الدولة التي واجهت النفوذ الإيراني لسنوات في أكثر من ساحة عربية، بينما كانت أطراف أخرى تحتفظ بعلاقات تجارية أو دبلوماسية مع طهران. ومن هنا فإن انتقال المملكة من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة إدارة الخلافات بالحوار لا يمكن اعتباره ضعفاً، بل قراءة سياسية عميقة لموازين القوى ومصالح الدولة.

السياسة، في حقيقتها، ليست تغريدة في منصة اجتماعية ولا مقطعاً عاطفياً في تطبيق إلكتروني، بل هي حسابات دقيقة تتعلق بالأمن والاقتصاد والجغرافيا ومصالح الشعوب. ولهذا فإن الدول الكبرى تتصرف وفق معايير مختلفة عن منطق الانفعال أو الشعارات. والسعودية، بوصفها الدولة الأكبر تأثيراً في المنطقة، تتحمّل مسؤوليات تتجاوز حدودها الوطنية إلى استقرار الإقليم بأكمله.

ومن المفارقات أن بعض الذين لم يمنحوا السعودية يوماً حق المشاركة في قراراتهم المصيرية، باتوا اليوم يطالبونها بخوض الحروب نيابة عنهم. غير أن العالم تغيّر، ولم تعد القرارات تُبنى على العاطفة بقدر ما تُبنى على حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية.

وفي هذا الإطار، تستحضر الذاكرة مقولة الإعلامي الكبير عثمان العمير بعد سقوط نظام صدام حسين، حين قال إنه مستعد لإعادة كل ما حصل عليه من النظام العراقي، وهي مجرد تكاليف إقامة فندقية، مقابل أن يعيد بعض المثقفين والإعلاميين العرب الملايين التي حصلوا عليها دفاعاً عن النظام السابق. والمشهد ذاته يتكرر اليوم مع بعض الأصوات التي خدمت المشروع الإيراني سياسياً وإعلامياً لسنوات، ثم تطالب الآخرين بخوض الحرب نيابة عنها.

إن العالم اليوم يتجه نحو التهدئة لا التصعيد، ونحو بناء الشراكات لا صناعة الحروب. والدول التي تنجح في قراءة هذه التحوّلات هي القادرة على حماية شعوبها وتحقيق مصالحها. ومن هنا تبدو السعودية وهي تراهن على الانتصار الهادئ؛ انتصار يتحقّق بالدبلوماسية والاقتصاد وبالنفوذ، لا بإطلاق الرصاص.

00:00 | 14-05-2026

المؤسسات حارسة الذائقة.. والسوق لها مَن؟

تُعدّ الذائقة الثقافية روح الوطن ومرآة مستقبله، فهي التي تتجلى في الكلمة، واللوحة، والفكرة، وفي كل تعبير إبداعي يعبّر عن هوية المجتمع وعمق حضارته. ومن خلال هذه الذائقة يمكن قراءة ملامح الشعوب وقياس مستوى وعيها الثقافي والفكري. لذلك، عندما تتبنى الحكومات مشاريع ثقافية، فإن المسؤولية تتجاوز مجرد الإنتاج إلى بناء معنى، وتشكيل وعي، وصياغة ذوق عام يرتقي بالإنسان. لا ينبغي أن تُدار هذه المشاريع بعقلية تجارية بحتة تُقاس بالأرقام والأرباح، بل وفق معايير عالية تضع الجودة والقيمة في مقدمة الأولويات.

لقد شهدنا نماذج عالمية تؤكد هذا التوجه، حيث تحرص بعض الدول على تقديم ثقافتها بوصفها قوة ناعمة تعكس تاريخها وإرثها الفكري. ففي التجربة الغربية مثلاً، يتم استحضار رموز أدبية وفكرية كبيرة، وتقديمها بأساليب حديثة تُبقيها حاضرة في الوعي الجمعي. هذه الجهود لا تهدف فقط إلى الترفيه، بل إلى ترسيخ القيم الثقافية وتعزيز الذائقة العامة.

وأتذكر خلال سنوات الدراسة كيف كانت المؤسسات الإعلامية والثقافية الكبرى تقدّم أعمالاً وثائقية وفنية على مستوى عالٍ من الإتقان، حيث يجتمع العمق المعرفي مع الجمال الفني في إنتاج يليق بتاريخ الأمة وثقافتها. لم يكن الهدف مجرد جذب المشاهد، بل تثقيفه ورفع مستوى وعيه، وهو ما يعكس الدور الحقيقي للمؤسسات الثقافية.

إن المؤسسات ليست حارسة للسوق، بل حارسة للذوق. وهذه مسؤولية كبيرة تتطلب وضوحاً في الرؤية والتزاماً في التنفيذ. فحين تنحرف هذه المؤسسات نحو المنافسة التجارية، فإنها تفقد دورها الأساسي وتدخل في مساحات ليست من اختصاصها. السوق لها أهلها من الشركات والقطاع الخاص، وهم أقدر على إدارة الربح والخسارة، ولهم الحرية في ذلك ضمن الأطر التنظيمية.

أما المؤسسات الحكومية، فيجب أن تبقى بعيدة عن هذا التنافس، وأن تركّز على دورها الأسمى في بناء الذائقة العامة، ودعم الإبداع الحقيقي، وتقديم نماذج راقية تسهم في رفع مستوى الثقافة في المجتمع. فالأمم لا تنهض فقط بالاقتصاد، بل ترتقي بذائقتها، لأن الذوق الرفيع هو أساس الحضارة، وهو ما يميّز المجتمعات الحية عن غيرها.

وفي النهاية، فإن الحفاظ على الذائقة مسؤولية مشتركة، لكن المؤسسات تبقى في مقدّمة هذا الدور، لأنها تملك الأدوات والقدرة على التأثير. وإذا أدركت هذه الحقيقة، فإنها ستسهم في صناعة مستقبل أكثر وعياً وجمالاً.

23:45 | 6-05-2026

والتاريخ أحياناً لا ينسى.. ولا يُنسى

لطالما كانت بريطانيا المثال الحي على قدرة القوة الناعمة أن تكون بديلاً موازياً للقوة الصلبة، حتى وإن اختلف التأثير وتبدّل الأسلوب. ومع كل مناسبة رسمية، مثل زيارة الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة، يعود التذكير بحقيقة راسخة: الأمم الغنية بتاريخها لا يمكن أن تتخلى عنه، لأنه ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل روح تسري في شرايينها كما يسري النفس.

لقد عايشت الملكة إليزابيث الثانية لحظة أفول شمس الإمبراطورية التي «لا تغيب عنها الشمس»، ورأت التحوّلات الكبرى في ميزان القوى العالمية. ومع ذلك، لم تدخل في صراع مع حركة التاريخ، ولم تحاول إيقاف الزمن أو السير عكس اتجاهه، بل تعاملت مع الواقع بمرونة ووعي. اختارت أن تعزّز من حضور بلادها عبر أدوات أكثر تأثيراً واستدامة، فدعمت الثقافة البريطانية، ورسّخت صورة بلادها في الوعي العالمي من خلال الدبلوماسية الهادئة والرمزية العميقة، محافظة على «اللمسة الإنجليزية» التي ما زالت حاضرة في أنحاء العالم.

في عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية الخيار الأول كما كانت في السابق. استخدام «الحديد والنار» أصبح مكلفاً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، بل وقد يبدو أحياناً نوعاً من التهور. في المقابل، برزت القوة الناعمة كأداة فعّالة، قادرة على تحقيق التأثير دون صدام، وعلى كسب العقول قبل فرض السيطرة.

يشير المفكر الأمريكي جوزيف ناي في نظريته الشهيرة إلى أن الدول القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الجيوش، بل تلك التي تستطيع التأثير في الآخرين عبر الجاذبية الثقافية والقيم والأفكار. فالقوة الناعمة تُبنى من خلال التعليم، والفنون، والإعلام، والدبلوماسية، وكل ما يجعل الآخرين يرغبون في الاقتراب منك لا الخوف منك.

وفي السياق العربي، نجد نماذج لافتة تؤكد هذا المعنى. خلال حرب الخليج، لم يكن التأثير مقتصراً على السلاح، بل برز دور الكلمة. فقد كان لكل من غازي القصيبي وخلف بن هذال حضور قوي عبر الشعر والأدب، حيث شكّلت أعمالهما حالة معنوية مؤثرة، تضاهي في قوتها وقع المدافع والرصاص.

وهنا تتجلى حقيقة أساسية: الكلمة، والشعر، والفن، والثقافة، ليست ترفاً، بل هي أساس متين لأي أمة تسعى للتأثير. فالقوة الناعمة هي التي تعبر الحدود دون استئذان، وتصل إلى القلوب قبل العقول، وتصنع صورة تبقى حتى حين يتغيّر كل شيء.

00:06 | 30-04-2026

لم يأتنا النبأ التالي: المناقلة السورية اللبنانية

كم هي جريحة هذه الخريطة ومدماة. انهالت عليها مداميك التاريخ فأحدثت فيها ما أحدثته، وبقيت جريحة تحاول أن تعيش، تعيش، تعيش. تشهد منطقة الشام في المرحلة الراهنة حالة من التحوّل العميق، توحي بأن ما كان يُعدّ ثابتاً في الماضي قد لا يبقى كذلك في المستقبل. فالحدود السياسية التي رُسمت على الخرائط تبدو مستقرة نظرياً، لكنها على أرض الواقع تخضع لضغوط وتحديات متزايدة، في ظل تغيّرات إقليمية ودولية متسارعة. هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل ثلاث مناطق مجاورة لإسرائيل، هي لبنان وسوريا وفلسطين، وكيف يمكن أن تتأثر بالتحوّلات الجارية.

في سوريا، لا تزال آثار النزاع الممتد منذ سنوات تلقي بظلالها على وحدة الدولة وسيادتها. ومع تعدد القوى الفاعلة على الأرض، تبرز مخاوف من إعادة تشكيل مناطق النفوذ بما يتجاوز الإطار التقليدي للدولة الوطنية. بعض التطورات الميدانية تشير إلى احتمالات فرض وقائع جديدة، سواء عبر ترتيبات أمنية أو تفاهمات غير معلنة، ما قد يؤدي إلى إعادة صياغة جزئية للخريطة السياسية.

أما في لبنان، فإن الوضع يبدو أكثر هشاشة. فالأزمة الاقتصادية العميقة، إلى جانب التوترات الأمنية، تجعل البلاد عرضة لتأثيرات خارجية متزايدة. ومع تصاعد العمليات العسكرية في بعض المناطق، يبرز القلق من انزلاق الأوضاع نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تشمل تغييرات في موازين القوى الداخلية أو حتى في طبيعة السيطرة على بعض المناطق الحيوية، خصوصاً في العاصمة بيروت ومحيطها.

وفي فلسطين، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية والأمنية مع واقع ميداني متغيّر باستمرار. التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية تعكس حالة من عدم الاستقرار المستمر، وتطرح تساؤلات حول مستقبل الترتيبات السياسية القائمة، وإمكانية فرض وقائع جديدة على الأرض.

تُظهر هذه المؤشرات مجتمعة أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة من إعادة الترتيب، ليس بالضرورة عبر تغييرات رسمية في الحدود، بل من خلال فرض وقائع ميدانية جديدة تعيد تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، يوضح هنري كيسنجر في كتابه إنهاء الحرب الفيتنامية أن الحروب، وإن بدأت بأهداف سياسية واضحة، فإن مساراتها غالباً ما تتعقد بفعل عوامل متعددة، لتنتهي بنتائج لا تعكس بالضرورة ما خُطط لها في البداية.

ويبدو أن التحدي الأكبر أمام دول الشام يتمثّل في كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية بحكمة. فبدل الانخراط في مغامرات غير محسوبة، قد يكون من الأجدى التركيز على الحفاظ على الاستقرار القائم، وتعزيز المسارات الدبلوماسية، والسعي إلى تقليل الخسائر في بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.

00:01 | 23-04-2026

سنوات المصيدة.. وهذا المضيق دولي، دولي، دولي..

يعيد التاريخ في منطقتنا إنتاج مشاهده المألوفة، لكن بأدوات جديدة ووجوه مختلفة. الأخطاء نفسها تتكرر، والحسابات الضيقة تتحوّل سريعاً إلى أزمات واسعة النطاق. قليلون فقط من يدركون كيف يتحرك العالم فعلياً، وأين تقف حدوده، وما هي الخطوط الحمراء التي لا تُرى بالعين المجردة لكنها ترسم مصائر الدول والشعوب.

ما نراه اليوم ليس حدثاً معزولاً، بل بداية فصل جديد من صراع طويل. لقد بدأت ملامح مواجهة إيرانية تتشكّل، ليس بالضرورة في صورة حرب تقليدية مباشرة، بل كسلسلة من الضغوط المتراكمة، والتحركات المحسوبة، والرسائل غير المعلنة. إنها لعبة شدّ الحبال بين قوى تدرك أن أي خطوة خاطئة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

سنشهد، على نحو لافت، حواراً بين زمنين: القرن الثالث عشر والقرن الحادي والعشرين. ليس المقصود هنا الزمن الحرفي، بل العقلية. لغة قديمة تقوم على الرمزية والهيبة والتاريخ، في مقابل لغة حديثة تعتمد على المصالح والأرقام والاستراتيجيات. هذا التباين في الخطاب هو ما يجعل التفاهم صعباً، ويزيد من احتمالات سوء الفهم.

أما المضيق، الذي كان يُنظر إليه طويلاً باعتباره ورقة سيادية، فلن يبقى كذلك. لن يكون إيرانياً خالصاً كما يتصور البعض، بل سيتحوّل تدريجياً إلى جزء من منظومة دولية أوسع، تُدار وفق توازنات دقيقة. الهدف الحقيقي يتجاوز الجغرافيا القريبة؛ إنه يتعلق بإعادة تشكيل النظام العالمي، والتحضير لمواجهة التحدي الأكبر القادم: الصين.

الغرب، الذي يرى في صعود الصين تهديداً استراتيجياً، يعمل على بناء شبكة من الضغوط والاحتواء، تبدأ من النقاط الأكثر حساسية في العالم. والمضيق واحد من تلك النقاط، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية. من هنا، فإن ما يجري ليس مجرد خلاف إقليمي، بل جزء من معادلة دولية أكبر بكثير.

في هذا السياق، سيبدأ سيناريو المفاوضات المعقدة والمطولة. مفاوضات تشبه إلى حد بعيد ما حدث مع النظام العراقي في تسعينيات القرن الماضي. جولات لا تنتهي، وشروط تتغيّر، وضغوط تتصاعد، ووعود تُقدَّم ثم تُسحب. إنها عملية استنزاف سياسي ونفسي قبل أن تكون تسوية حقيقية.

أتذكر، عند قراءة محاضر المفاوضات بين جيمس بيكر ووزير الخارجية العراقي في جنيف، كيف بدا الطرفان وكأنهما يتحدثان من كوكبين مختلفين. لم يكن الخلاف فقط في المواقف، بل في طريقة فهم العالم ذاته. هذا المشهد قد يتكرر اليوم، بأسماء جديدة، لكن بالعقلية ذاتها.

المستقبل، في ضوء كل ذلك، لا يبدو بسيطاً ولا قريباً من الاستقرار. نحن أمام مرحلة انتقالية، تتشكّل فيها قواعد جديدة، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الأخطاء مجرد زلات، بل قد تتحوّل إلى نقاط تحوّل تاريخية يصعب التراجع عنها.

00:04 | 16-04-2026

واحد مع العرب لا ضدهم...!

يشكّل التراث الفكري العربي أحد أبرز مكوّنات الهوية الثقافية في المنطقة، إلا أن بعض ملامحه الحديثة تأثرت بسياقات تاريخية معقدة، أبرزها تجربة الاستعمار وما خلّفته من حساسيات تجاه الغرب. هذا التأثير ظهر في صورة خطاب يتّسم أحيانًا بالعداء غير المبرر للقوى الغربية، وكأنه امتداد نفسي لصراعات تاريخية لم تُحسم على مستوى الوعي الجمعي. ومع ذلك، فإن هذا النمط من التفكير لا ينطبق بنفس الحدة على جميع الدول العربية، إذ يبدو أقل حضورًا في دول الخليج، وخصوصًا المملكة العربية السعودية، التي لم تعش تجربة الاستعمار المباشر بالشكل الذي شهدته دول عربية أخرى.

هذا الاختلاف التاريخي انعكس على طبيعة العلاقات الدولية، حيث تتبنى دول الخليج مقاربة أكثر براغماتية تقوم على المصالح والتوازنات، بدلًا من الانطلاق من مواقف أيديولوجية أو ردود فعل عاطفية تجاه الغرب. ففي عالم تحكمه موازين القوة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن القوى الغربية ما زالت تتصدّر المشهد العالمي من حيث التفوق التقني والعسكري والاقتصادي، وهو ما يجعل التعامل معها ضرورة إستراتيجية لا خيارًا فكريًا.

إن الإصرار على تبني خطاب صراعي غير مستند إلى مبررات واقعية يتعارض مع طبيعة العلاقات الدولية الحديثة، التي تقوم على المصالح المتبادلة والتشابك الاقتصادي. فالعالم اليوم لم يعد ساحة لصراعات أيديولوجية بقدر ما هو شبكة معقدة من المصالح المشتركة، حيث تتقاطع السياسات مع الاقتصاد والتكنولوجيا بشكل غير مسبوق. ومن هذا المنطلق، فإن الاستمرار في استحضار صراعات الماضي دون إعادة تقييمها في ضوء الحاضر لا يسهم إلا في إضعاف فرص التنمية والانخراط الفعّال في النظام العالمي.

لا يعني ذلك إنكار قيمة التراث الخطابي العربي، فهو يحمل أبعادًا جمالية وثقافية مهمة، لكنه في صورته التقليدية لا يكفي لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية ملموسة. فالمواقف الدولية لا تُبنى على البلاغة أو الشعارات، بل على مزيج من القوة والواقعية السياسية والقدرة على التأثير. لذلك، فإن أي موقف عدائي يجب أن يستند إلى أسباب واضحة ومقنعة، لا أن يكون مجرد انعكاس لتراكمات تاريخية أو مشاعر غير محسوبة.

في المقابل، تقدّم دول الخليج نموذجًا مختلفًا يقوم على تجاوز عقد الماضي والتركيز على بناء علاقات دولية قائمة على المصالح الاقتصادية والتنموية. وقد ساهم هذا التوجه في تحقيق مستويات ملحوظة من النمو والاستقرار، مما يعزز فكرة أن البراغماتية السياسية قد تكون أكثر فاعلية من الخطابات الأيديولوجية في عالم سريع التغيّر.

00:13 | 9-04-2026

أعطني «النأي»... وغني !

في الوقت الذي تتعرّض فيه المنطقة لتحوّلات إقليمية عميقة، يطل علينا من يرى أن إيران لا تشكّل خطراً حقيقياً على العالم العربي بحجة بُعدها الجغرافي عن بعض الدول. هذه النظرة المحدودة لا تصمد أمام منطق السياسة، إذ يمكن لأي طرف آخر أن يستخدم الحجة نفسها ليقول إن إسرائيل ليست خطراً على العرب البعيدين عنها. إنها سردية تتناقض تماماً مع فكرة الوحدة العربية والمصير المشترك التي طالما شكّلت ركيزة الخطاب القومي لعقود طويلة.

فالمنادون بالوحدة يرون أن العالم العربي كتلة واحدة، وأن أي تهديد يستهدف دولة من دوله يجب أن يُعتبر خطراً على الجميع. هذه الرؤية التي ترسّخت في الفكر العربي الحديث تؤكد أن الأمن العربي لا يتجزأ، وأن ما يحدث في الخليج أو في المشرق أو في شمال أفريقيا له أثر مباشر على استقرار المنطقة بأكملها. بيد أنه في كل مرة يتعرّض فيها الخليج العربي للتهديد تتغيّر المعادلة الفكرية تماماً، لدرجة أن هنالك من يرى أن إيران ليست خطراً على الدول العربية مطلقاً!

اليوم، يواجه الخليج العربي تهديداً واضحاً من دولة مارقة قامت بقصف الأعيان المدنية وتهديد السلم الإقليمي والدولي. ومع ذلك، جاءت الإدانات العربية باهتة ومتأخرة، لتعيد إلى الأذهان مشهد الغزو العراقي للكويت عام 1990، حين انشغل بعض المثقفين العرب بتبرير العدوان أو بمساواة الضحية بالجلاد. هذا التردد في المواقف يكشف عمق الأزمة في الخطاب العربي المشترك، الذي فقد بوصلته تجاه الأخطار الحقيقية.

لقد أثبتت التجربة الخليجية أن القوة تكمن في الوحدة. فتماسك دول الخليج هو ما جعلها قادرة على تحييد التحديات ومواجهة الأزمات بثقة، دون انتظار دعمٍ من «أطفال اليسار العربي» الذين لا يحضرون عادة إلا بعد فوات الأوان. خلال العقود الأخيرة، برهنت الدول الخليجية أن لديها مشروعاً عربياً ناجحاً، قائماً على الاستقرار والفاعلية، لا على الشعارات. وفي هذا التجمع يبرز الثقل السياسي والجغرافي الذي تمثله المملكة العربية السعودية باعتبارها أساس النفوذ الخليجي وقوته.

ومع ذلك، ما زال بعض الخطاب العربي يحاول التقليل من هذا الدور، وحصره في النفوذ المالي فقط، متجاهلاً مظاهر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي رسّخت حضور الخليج ركيزةً رئيسيةً في توازنات المنطقة.

اليوم، تبدو الحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لمفهوم الوحدة العربية، لتُفهم على أنها مسؤولية جماعية لا شعاراً عاطفياً. فالصمت أو النأي بالنفس لحظة تهديد الحلفاء يفرغ الوحدة من معناها، ويترك الباب مفتوحاً أمام تكرار المآسي العربية.

00:19 | 2-04-2026