-A +A
فؤاد مصطفى عزب
ارتبط سن الستين عند الموظف السعودي بلحظات مؤلمة، فعندما يحين وقت التقاعد، قد تكون المرة الوحيدة، التي يتقبل فيها الموظف كلمة «مبروك»، وهو حزين يتألم. سن الستين لدى البعض عام الرعب والضياع، والذهاب إلى عمل العمرة، وشراء الكفن والمسك، والكافور، وتجهيزها في الدولاب. رغم ادعاء الموظف المتكرر أمام زملائه بغير ذلك، فقد تجد أحدهم يقول: «متى يجي اليوم اللي أرتاح فيه، من هذا الهم والصحيان من صباح العالمين»، إلا أنه عندما يأتي هذا اليوم يتظاهر بأنه قد جاء فجأة، وأنه وصل للمرحلة الأخيرة سريعاً.. رغم قدرته على العطاء. طريف هذا الإنسان الذي يظل في صراع مستمر مع مسألة العمر، يود أن يكبر وهو صغير ليراه المجتمع ويعترف به، وحينما يكبر يتمنى لو عادت فرص سنوات الصبا والشباب. والفزع الذي يصيب هذا المسن، قد نكون أحد أسبابه، فنحن من الشعوب التي بالغت في السخرية من هذه المرحلة من العمر، فهناك سيل لا ينتهي في قاموس النكات السعودي للسخرية والاستهزاء بالمسنين وسلوكياتهم، لا يسلم من ذلك، رجلا أو امرأة. فالسيدة المتقدمة في العمر التي تحاول الاحتفاظ بلياقتها، وتتردد على الأندية الصحية، وتهتم بأناقتها وارتداء الأزياء العصرية.. تحاك ضدها النكات الموحية باعتبارها امرأة متصابية ومخبولة وتفكر في ملذات الحياة. وهناك الكثير من التصرفات والعبارات لدينا التي تندرج في إطار ممارسة ثقافة اضطهاد الإنسان المتقدم في العمر والتي عرفتها منظمة الصحة العالمية: بـ«AGEISM» واصفة إياها بأنها ممارسة خبيثة تضر بصحة كبار السن.. هؤلاء الذين يعتبرون تقدم العمر تحدياً يومياً.. نظراً لعدم وجود نشاط اجتماعي يمارسونه، ويعرضهم للصورة النمطية التي تجسدها أحياناً، بعض وسائل الإعلام في مسلسلاتها الهزلية السمجة مما يحد من أدوارهم ويقصيهم عن المجتمع. ولا شك أنه من المعيب أن نطلق هذا الكم من السخافات التي تساهم في ازدياد عنف المجتمع، وتعميق ألم الكبار. ونصيحتي الشخصية التي لا تختلف عن ما أقوم به كمسن من ممارساتي الحياتية، والتي تختلف تماماً عن فكرة العمرة وإعداد الكفن، أن تمارس رياضة المشي اليومية، وأن تستخدم وسائل التواصل الاجتماعية، الاستخدام الصحيح. فقد ساعدني الفيسبوك، على سبيل المثال على لقاء أصدقاء الصبا، وتعرفت على أبنائهم، وأحفادهم، بل واستطعت مشاركتهم أفراحهم، وأحزانهم، واستطعت أن أضرب مع بعضهم لقاءت شهرية وأسبوعية في مقاهٍ بحرية، نستعيد فيها ذكريات الأمس، يتكلم كل منّا، عن أسرته، واختلاف أشكالنا وهيئتنا.. نتحدث عن كل ذلك، ونضحك من القلب. صرت أحرص على ارتياد الأماكن المبهجة مع زوجتي عندما تكون هنا.. تلك الأماكن تجعلني استعيد حيويتي، ونشاطي.. واستكمل من جديد مسيرتي العلمية والعملية والاجتماعية. الأماكن المبهجة برفقة الأصدقاء، تجدد الروح، وزوجتي صديقتي. أصبحت أيضاً حريصاً على متابعة مواعيد الندوات والمؤتمرات في مجالي، وفيما أحب، وكل ما هو متعلق بالشأن الصحي.. وأفضل حضور الندوات مع محاضرين جدد، غير الذين اعتدت رؤيتهم، وأكون سعيداً، عندما أستمع إلى معلومات جديدة في تخصصي، وأتعرف على ناس جدد، وأكون علاقات مختلفة في نوعها، من خلال هذه الندوات والمؤتمرات. ما زالت رائحة البن تسحرني، وأثق أن العالم أجمل مع فنجان القهوة الصباحي، خاصة عندما تختلط تلك الرائحة بعبق رائحة الغليون المبهر.. أمارس تلك الطقوس، قبل أن أنطلق لأداء محاضراتي. وإنني أقترح على دولتنا الرشيدة بمناسبة «شهر كبار السن العالمي» أن توفر قروضاً مسهلة للمتقاعدين، ليمارسوا المشروعات التي تتناسب وقدراتهم، كذلك تخفيض أسعار الخدمات والمنتجات المختلفة أسوةً بما يتمتع به المتقاعدون في الغرب.. كما أطالب بتأمين طبي يمنح لكل متقاعد ما يغنيه عن تسول الآخرين لإيجاد مكان مناسب لعلاجه، وصرف أدويته باهظة الثمن، والاهتمام بطب المسنين. فتوقعات الأمم المتحدة السكانية في العالم، تشير الى ازدياد أعمار المسنين.. ولا بأس من سنّ قانون خاص يعطي الحق للمُسن في ممارسة العمل العام، بقدر مؤهله وخبرته وطاقته.. باعتبارهم من الفئات الخاصة، ففي هذا استثمار وتأهيل للشباب. وأخيراً، ومن أجل حياة كريمة لجميع السعوديين المتقاعدين، أطالب بضم الثابت والمتغير والبدلات لراتب المتقاعد ليحظى بمعاش آدمي. أرجو أن يتحقق كل ذلك وفي أقرب وقت... فليس هنالك مستحيل على «محمد بن سلمان» أمير الشباب والمسنين..

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com