-A +A
علي بن محمد الرباعي
ينطلق الحاكم المسلم المؤهل بالعلم والمتسلح بالفقه وحُسن الإدارة والإرادة في دراسة قضايا المواطنين والأحكام والقرارات الصادرة بحقها من ثلاثة منطلقات (المشاورة، العزم، والتوكل على الله) بحسب الآية، ولا ريب أن الحاكم يرى من اعتبار المصالح وترتب المفاسد ما لا يراه العوام ولا حتى المتخصصون، متى أدركنا أن الهدف من التشريع المصلحة، والغاية من العقوبات التهذيب لا التعذيب.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمعت له السلطات الثلاث تشريعية وقضائية وتنفيذية، ولم يهمل الاجتهاد في النص كونه ملهماً ومحدّثاً بتزكية الرسول عليه السلام وبموافقة الوحي له في مواضع عدة، فأخذ الفاروق مبكراً بدافع الجناية أو الجريمة ووضع الدوافع ضمن حيثيات الأحكام، ومما اشتهر عنه تعليق حد السرقة عام المجاعة، وتوقيف مصرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وكل ذلك وفق مقاصد الشرع من العقوبات وحيثيات العدل والرحمة التي أنبنت عليها شريعة الإسلام.

الفاروق رضي الله عنه قال في رسالته لأبي موسى الأشعري (ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق)، فعزا المراجعة للعقل.

وفي رواية أنه لما عرضت عليه قضية زوجة صغيرة أجبرت على زوج كبير فقتلته قرأ دافع القتل بحسٍّ إنساني راق، ورجع إلى شروط النكاح ومنها أهلية الزوجة (البلوغ والعقل) وهي شروط منسجمة مع مبادئ حقوق الإنسان، ومنع الولي من تزويج الصغيرة قول فقهي قديم ينعته البعض بأنه شاذ لأنه لم يقل به مشاهير الأئمة، إلا أن عمر رضي الله عنه نجح في معالجة القضية واحتوائها وأقنع أولياء الدم بأن (عمد الصبي والفتاة خطأ) ولا يُدرج ضمن صور القتل العمد، ودفع الدية من بيت المال، وطلب من أولياء الزوجة الانتقال بها من البلد.

نحن في زمن تطورت فيه الأجهزة العدلية واستعانت بالقوى والكوادر البشرية في سبيل تحسين منظومة القضاء وتطويرها إلا أنه لا غنى لها عن إعادة غربلة التراث والاستفادة من الوضيء والمضيء منه، ولا أعلم لماذا يستكثر البعض على الحاكم المسلم اليوم حقه في إعادة النظر في الأحكام القضائية، وتطبيق المقاصد الأسمى للشرع واعتماد ما يراه من القرارات مصلحة، وإلغاء ما تترتب عليه مفسدة، أليس لنا في السلف الصالح قدوة وأسوة حسنة؟