-A +A
أسماء بوزيان
كل عام نقف على تجارب تنظيمية جديدة لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، مستفيدة بذلك المملكة العربية في كل مرة من تجارب السنوات السابقة.

في نقاش مع أحد النواب العرب المنتخب عن حزب فرنسي، في الجمعية الوطنية الفرنسية، أجزم موقنا أن تنظيم الحج أسهل بكثير من تنظيم نهائيات كأس الأمم لكرة القدم. وقد كان النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية يقارن موسم الحج بمناسبة كأس العالم لكرة القدم الأخيرة في روسيا وكيف نجحت دول أخرى منظمة للتظاهرة الكروية في إنجاح المناسبة دون خلل في التنظيم.

لم يكن لهذا النائب وغيره أدنى دراية بالتحدي الذي يمثله موسم الحج والعمرة للمسلمين وللمملكة العربية السعودية، ولا كيف تتحول منطقة واحدة من أراضي المملكة العربية السعودية إلى بوصلة للمسلمين في العالم بأسره. لم يفهم هذا النائب أن المنظومة التي تسير قرابة 3 ملايين حاج في كل موسم وفي كل عام وفي نفس المنطقة ليس نفسها المنظومة التي تسير كأس العالم كل أربع سنوات وفي دول مختلفة وعلى مدن مختلفة. فالمنظومة التي تسير كأس العالم وتشارك فيها كل الهيئات والاتحادات والمؤسسات التجارية بالدرجة الأولى وعلى كل المستويات هي منظومة تجارية يتدفق فيها المال باتجاهات متنوعة، على عكس المنظومة التي تسير الحج والتي وإن اعتمدت على مداخيل الحج من البعثات المشاركة، فإنها لا تعتمد على السبونسر التجاري لمؤسسات تجارية بحتة، ولا تشتغل على بورصة التدفق المالي للشركات الممولة، لأن الحج عبادة وكل يؤمن أن أربح شراكة هي خدمة ضيوف الرحمن.

لم يفهم الكثيرون ومنهم هذا النائب أن حدث كأس العالم ينظم كل أربع سنوات وعلى أدوار تصفاوية وفي مدن متفرقة، بالإضافة إلى أن التظاهرة هي تجارية بامتياز، يحمل فيها الممولون على عاتقهم العبء الأكبر، بمعنى أن المنظم لكأس العالم ليس البلد نفسه بل يختلف من أربع سنوات إلى أخرى. على عكس الحج حيث تستقبل العاصمة المقدسة الحجيج على مدار السنة لأداء العمرة وسنويا لأداء الحج والعمرة، وهذا وحده كاف لأقول أن لا وجه للمقارنة بين الحج وكأس العالم لكرة القدم.

لا يمكن أن نقارن موسم الحج بتنظيم كأس العالم، فما تحققه المملكة في كل موسم ناجح هو استراتيجية دولة. وطفرة تطويرية شملت جوانب حياة الحاج بالبقاع المقدسة، وطفرة تنظيمية تتطور بمرور السنوات وتدخل عصر المدن الذكية والتقنيات التي تلجأ لها المملكة بتوظيف أحدث التكنولوجيات لمقارعة الوقت.

فالمنظومة التي اعتمدت عليها المملكة هي إرث متكامل اشتغلت على تأسيسه منذ زمن، وعملت على أن يكون جزءا مرتبطا بمفهوم أمن الحاج وراحته قبل كل شيء من أجل أداء مناسكه.

فالحج، الذي يستسهل تنظيمه الذين ليسوا على دراية بواقعه، بالتأكيد ستأخذهم نعرة استسهال الأمور، في حين أن تسيير حشود بشرية تتدفق إلى الوجهات نفسها لا يمكن تصور صعوبته والرهانات التي تحدق به. فالحج تشتغل عليه مؤسسات دولة كاملة تنسق مع دول إسلامية وتوظف طاقات بشرية ومادية مهولة تعمل بالدرجة الأولى على التدفق المعلوماتي والتواصل مع مختلف القطاعات المعنية. وهذا الهرم الذي قاعدته مؤسسات دولة نعجز على وصفه أو نعجز على فهمه.

عدد يقارب الثلاثة ملايين حاج يتواجدون في منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة، هو رقم لا ينطقه إلا اللسان ولكنه في الواقع هو صراع مع الزمن والجهد وأكثر من ذلك هو صراع مع تسيير حج هذه الوفود التي قبلتها واحدة ومناسكها معروفة ووجهتها كلها تتشابه.

كيف يمكن لأي دولة كانت أن تنظم مثل هذه المناسبة سنويا دون أن تقع في فوضى أو حوادث كبيرة، بغض النظر على ما حدث في 2015 أثناء تدافع الحجاج.

عندما وقع حادث التدافع في صفوف الحجاج الايرانيين في 2017، كتب الإعلام عن الحادثة وقيل ما قيل واستنفرت الدول بعثاتها، وجعلت بعض الصحافة المملكة في وجه المرمى تلقي بقنابلها متى شاءت، لكن في الواقع لم يتصور أحد ولا يمكن أن يفهم أحد أن وجود أكثر من ثلاثة ملايين حاج في نفس المكان واتجاه سير واحد هو في حد ذاته رهان ومجازفة. خط السير الذي شددت وتشدد على وضعه المملكة ولا تتساهل أبدا في تنفيذه مهما كانت حالات الطوارئ، هو الذي أنجح مواسم الحج السابقة وحج هذا العام.

اليوم وأنا أكتب هذا المقال(شهادة)، أردت أن أُطلع القارئ الذي لا يعرف تلك المنظومة المتكاملة التي يسهر على إعدادها وتنفيذها كل القطاعات الحكومية والخاصة في المملكة، بدءا من وزارة الداخلية والوزارة الوصية (الحج والعمرة) ورئاسة أمن الدولة والطيران الأمني والمدني وقوات أمن الحج ووزارة الإعلام ووزارة الخارجية ووزارة الصحة ووزارات أخرى وصولا إلى الشركات الخاصة التي تشترك في إنجاح موسم الحج في العاصمة المقدسة.

لم تكن المملكة العربية السعودية يوما في سياق حرب للأرقام وفقط بقدر ما هو تحد من أجل صفر مخاطر أثناء ضيافة حجاج بيت الله الحرام، فسلامة الحاج خط أحمر وموسم الحج غير قابل للمساومة، وهذه هي إرادة قيادة تؤمن أن الله حبا أرضها وجعلها بقعة مقدسة للمسلمين..

فعندما تقف على معطيات لوجستية تنظيمية غير قابلة للاختراق أو الاحتباس، تدرك أن من يؤمن الحج هو قيادة متكاملة تبدأ من المسؤول وتنتهي عند عامل النظافة البسيط. تبدأ بانتشار قوات الدفاع المدني في مشعر مزدلفة وفي منى وأمام الحرم المكي وعلى موقع رمي الجمرات. هذه القوات التي تنفذ في نفس الوقت جولات تفتيش، لترى مدى جاهزية استقبال الحجاج، فأكثر من 2642 جولة تفتيشية على مخيمات الحجاج للتأكد على إجراءات السلامة المطبقة والتأكد من عدم وجود أي عارض أو حادث.

لم يحصل يوما أن تذمرت المملكة من الجانب المادي لتنظيم الحج، فأكثر التغطيات المادية تحملتها المملكة العربية السعودية ولم تدفع بعض الدول لتحمل أعباء إضافية عن بعثاتها في موسم الحج والعمرة.

كانت مختلفة تماما عن كل العالم في استقبال ضيوف الرحمن، والأدلة على ذلك لا تحصى. المهمّ لست هنا بصدد تعديد الأدلة بقدر ما هو مهم أن نقف بأنفسنا ونعاين حجم الجهود التي يبذلها العامل والموظف والمسؤول لخدمة زوار بيت الله.

المهم أيضا أن نقف على ذلك الطابور الكبير من الشاحنات التي توزع الماء ووجبات الغذاء مجانا للحجاج في مشعر عرفة ومزدلفة ومنى.

المهم أن نقول إن هؤلاء الحجاج يقومون بمناسكهم ويخلفون وراءهم أطنانا من القمامة ينظفها العمال ولا يلزمون الحج بأي خدمة أو ضريبة.

فهل يا ترى يظل تنظيم كأس العالم أصعب من موسم الحج والعمرة؟

للحديث بقية ...