-A +A
عبدالله صادق دحلان
في كل مرحلة من مراحل التطور والتغيير في الاقتصاد العالمي، تكون هناك آثار سلبية قبل الوصول للهدف الرئيسي وهو تحقق النمو الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي، وهذا ينطبق على خطة التطوير التي تسير بها رؤية المملكة المستقبلية (2030) والتي هدفها الرئيسي هو تحسين الوضع الاقتصادي على المدى الطويل، وتطبيق السياسة الاقتصادية الجديدة في عدم الاعتماد الكلي على المورد الرئيسي الأوحد (موارد البترول) كمصدر للدخل والتوجه نحو تنويع مصادر الدخل من خلال العديد من البرامج التي منها وعلى رأسها زيادة الإنتاج المحلي بإقامة العديد من المشاريع العملاقة، واستقطاب الشركات العالمية للاستثمار في المملكة، وسيكون لهذه المشاريع مردود كبير على نمو الناتج المحلي؛ ومنها رفع نسب التشغيل للعمالة السعودية وتوطين الأموال وغيرهما، ومن البرامج الأخرى لزيادة إيرادات الدول رفع الرسوم وفرض رسوم جديدة على الخدمات، أو فرض الضرائب وزيادة الضرائب أحيانا، والحقيقة بعد أن عاش اقتصاد المملكة أكثر من خمسين عاما بحرية تامة دون رسوم وضرائب على أعمال المؤسسات والشركات والبيع والشراء معتمدا على إيرادات البترول فقط، تأثر الاقتصاد السعودي إيجابا وسلبا بارتفاع وانخفاض أسعار البترول، وظلت ميزانية الدولة سنين طويلة تحت رحمة أسعار البترول، ولكن الرؤية الجديدة والسياسات الاقتصادية الجديدة تخطط للمستقبل البعيد، وإن كانت قد أحدثت بعض الآثار السلبية؛ ومنها تأثر بعض المصانع والشركات والمؤسسات الصغيرة؛ نظرا لارتفاع التكاليف التشغيلية نتيجة فرض الضرائب والرسوم المتعددة وارتفاعها، ونتيجة تراجع تسهيلات البنوك وتمويلها والتشديد على الممولين منها وإعادة تقييم الضمانات.

ولهذا الوضع القائم ومواجهة للسلبيات التي طرأت أود أن أشيد بدور مجلس الغرف السعودية الذي استشعر أهمية معالجة بعض الاختلالات التي طرأت منذ تطبيق السياسات الجديدة للاقتصاد؛ ومنها الصناعات السعودية التي تظهر بعض الإحصائيات توقف حوالي ألف مصنع سعودي، وبالتالي تجمعت خسارة ضخمة على الاقتصاد في جميع قطاعاته، مما دفع المجلس إلى التحرك والتنسيق مع وزارة المالية والتجارة والاستثمار نتج عنه تشكيل لجنة خاصة لدراسة الوضع خلال العام المنصرم، ونظرا لأنه لم يصل مجلس الغرف إلى النتائج المرجوة، اقترح مجموعة من الحلول أسردها كما وردت في تقرير مجلس الغرف؛ وعلى رأسها: ضرورة إعادة النظر في جميع الرسوم الحكومية ومنها رسوم العمالة، والقيمة المضافة، ومطالبات الزكاة والغرامات الكثيرة وغيرها، ودراسة مدى أهميتها في تنويع مصادر الدخل الذي أثر سلبا على حركة النمو الاقتصادي للقطاع الخاص لصالح تخفيض العجز بنسبة 4% لمواكبة اقتصادات لا تشابه احتياجاتنا الوطنية، وإزالة قيود العمل وتكاليف التوظيف على المنشآت وإعطاء المنشأة الحرية في إدارة الكوادر، حيث إن كثرة المتطلبات الحكومية خلقت بيئة عمل غير مجدية، وضرورة إيجاد حلول جذرية ترتكز على تغيير السياسة والتطبيق وليس فقط معالجة حالات معينة، وأهمية تفعيل مشاركة حقيقية بين القطاع الخاص والعام لمعرفة تأثير وجدوى القرارات المتخذة للوصول للهدف بأسرع وقت ممكن وبأقل خسارة، وكذلك صناعة السياسات بالشكل المتوافق مع طبيعة السوق والمبنية على إشراك أصحاب العلاقة والأخذ بمرئيات الخبراء والمتخصصين في السياسات المالية والاقتصادية المعقدة والتي لا يحتمل السوق فيها التجربة والخطأ، والحد من ازدواجية نفس المبادرات في عدة جهات حكومية التي تؤثر على قدرة القطاع الخاص من اتخاذ قرارات واضحة للاستثمار، وطالب فريق مجلس الغرف بتخفيض الشروط الحالية من «برنامج دعم التعثر» لصرف مبالغ الدعم وتحويل بعض المبالغ من قروض تسترد إلى دعم تعويض لإنقاذ المصانع المتعثرة، والتنسيق بين وزارة المالية والبنوك لطلب جدولة القروض المتعثرة بشكل طارئ لإعطاء مهلة للمصانع من الاستفادة من تأثيرات خطة تحفيز القطاع الخاص، والطلب من البنوك عدم استغلال طلبات الجدولة بفرض غرامات عالية والبقاء على نفس الأسعار الحالية لدعم المصانع.

كما طالب المجلس بإيقاف مؤقت وعاجل للالتزامات الحكومية على الشركات المتعثرة، وتسريع الدفع من الجهات الحكومية ووزارة المالية، وتم الاقتراح بإصدار أمر سامٍ لتعديل النظام الأساسي للصندوق الصناعي ليتمكن من إقراض رأس المال العامل وتقديم مساعدة طارئة للمصانع وإن لم تمول من الصندوق.

هذه جهود مجلس الغرف السعودية في مجال الصناعة متمنيا على المجلس أن يقوم بدراسة أخرى عن وضع المؤسسات الصغيرة والتعليمية والخدمية ويتقدم بحلول واقتراحات تساهم في المحافظة على أساس القاعدة الاقتصادية في الاقتصاد المحلي، لأن المخططين -في معظم الأحيان- في أمسّ الحاجة إلى الاطلاع على الآثار السلبية في الخطط لتعديلها أو تقويمها أو المساعدة في تجاوز الصعوبات التي تواجه المعنيين بتنفيذ الخطط.

* كاتب اقتصادي سعودي