-A +A
رامي الخليفة العلي
أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال الأيام الماضية سلسلة من الأوامر الملكية، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات؛ أوامر متعلقة بمجلس الوزراء وأخرى بأمراء المناطق وثالثة بمؤسسات عامة. قبل الخوض في دلالات هذه الأوامر لابد من إلقاء مزيد من الضوء على الفلسفة التي تقف وراءها، فهذه الأوامر الملكية تأتي كاستمرارية للنهج الذي اتبعته المملكة خلال السنوات الماضية، فالمملكة العربية السعودية، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، مصممة على المضي قدما في إجراء تغييرات عميقة تنهض بالدولة والمجتمع، وتنقل المملكة من الدولة التي تعتمد على النفط بالدرجة الأولى إلى الدولة متعددة المصادر الاقتصادية والتي تعتمد بالدرجة الأولى على القدرة البشرية. ومع ذلك فهذا لا يعني قطيعة مع الماضي وما تم من إنجازات كبيرة يشار لها بالبنان في العالم برمته. على امتداد العقود الماضية ومنذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، عمدت المملكة إلى إنشاء البنية التحتية وتم التوسع بشكل كبير على المستوى الأفقي في إطار التعليم والمنظومة الإدارية والبيروقراطية للدولة. هذا البناء أساسي وجوهري في بناء الدولة السعودية الحديثة. ولكن هناك تغيرات كثيرة طرأت على واقع المملكة الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي أصبح من الضروري إحداث تغييرات على هذه المستويات وهذا ما تكرس في رؤية المملكة 2030. يصعب جدا اختصار رؤية المملكة 2030 في كلمات قليلة ولكنها باختصار تنقل المملكة نحو نموذج اقتصادي مختلف عما كان سائدا خلال العقود الماضية، والدخول إلى اقتصاد ما بعد النفط. هذه الرؤية الجديدة ليست فقط على المستوى الاقتصادي ولكنها تمتد إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، إلى الإنسان الذي سيحمل هذا المشروع الوطني ويتحمل عبء تطبيقه واقعا على الأرض. لذلك كلما استطاعت الدولة أن تستفز المهارات الوطنية ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، تحت معيار واحد هو الإنجاز، كلما استطاعت الدولة السعودية أن تمضي قدما في تحقيق هدفها في التنمية وبناء الوطن والإنسان.

إذاً الأوامر الملكية ليست قطيعة مع الماضي وليست مرحلة جديدة مختلفة عما سبقها، ولكنها من جهة استمرارية لفلسفة الرؤية ومن جهة أخرى نسق جديد وروح جديدة في ظل واقع جديد على المستوى الداخلي والخارجي. فإذا كانت هذه هي فلسفة الأوامر الملكية وذلك هو الإطار العام، دعونا نطبق هذه التوصيف على بعض التغييرات لنرى إذا ما كان ينطبق عليها. ولنأخذ مثالين واضحين، وهما من عمق اهتمامنا واختصاصنا. نتحدث عن التغيير على مستوى وزارة الإعلام ووزارة الخارجية، على صعيد هذه الأخيرة تم تعيين الدكتور إبراهيم العساف وزيرا للخارجية وتعيين الأستاذ عادل الجبير وزير دولة للشؤون للخارجية، الأستاذ الجبير ساهم بشكل كبير في رسم صورة المملكة، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبدأ بروز هذه الشخصية السياسية واستطاع أن يبني علاقات مع دول العالم وخاصة الدول الغربية. التغيير الذي حدث حافظ على إرث الجبير السياسي وشبكة علاقاته الدولية، وأضاف إلى ذلك خبرة الدكتور العساف، هذه الخبرة تمتد لعقود في الأجهزة الحكومية، وكما أن لديه شبكة علاقات دولية وخصوصا مع المؤسسات الدولية الاقتصادية. المنطقة مقبلة على تطورات كثيرة خلال العام القادم 2019 وعلى مجمل الملفات ابتداء من الملف اليمني الذي يشهد مفاوضات في العاصمة السويدية ستكهولم مرورا بالسياسات التي ينتهجها نظام الملالي والتي تعيث في المنطقة فسادا وخرابا، وصولا إلى التطورات التي طرأت على الملف السوري والانسحاب الأمريكي من هذا البلد. كل هذه ملفات ثقيلة تنتظر وزارة الخارجية السعودية، وهي تحتاج إلى روح جديدة ونسق جديد والأستناد إلى الإرث السعودي في السياسة الخارجية.

مثال آخر لا يقل أهمية وهو تعيين الأستاذ تركي الشبانة وزيرا للإعلام، والحقيقة أن الإنجاز السعودي على مستوى الإعلام كبير، وقد نجح هذا الإعلام في إيصال وجهة نظر المملكة لمجمل القضايا العربية والإسلامية، كما أنه وقف مع قضايا المملكة والعرب والعالم الإسلامي العادلة. ولكن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة من السياسات الإعلامية، حيث البعض من هذا الإعلام تحول إلى أجهزة دعاية سوداء تستهدف المملكة. إذاً هناك واقع مختلف يتطلب عملا للوقوف بوجه هذا التشويه الممنهج للوعي العربي عبر الدعاية. ومن هنا يأتي اختيار الأستاذ الشبانة باعتبار تجاربه الكبيرة في المجال الإعلامي فهو ساهم في تحويل محطات تلفزيونية إلى إمبراطوريات إعلامية، إذاً فهو يتعامل مع منظومة لطالما خبرها. المهنية والموضوعية والطرح الذي يحترم العقول هو منهج الرجل وهذا ما سيقف بوجه تلك الدعاية السوداء التي لم تعد تقتصر على وسائل إعلامية وإنما بدأت حكومات ودول تقوم بها ورؤساء دول يساهمون بها. ومع ذلك بقيت المملكة بشعبها وقيادتها عصية على الكسر، بل لم تزدها هذه الحرب الإعلامية سوى منعة وقوة. ومع ذلك فإن الميدان الإعلامي ساحة من ساحات الصراع المهمة والتي ستنجح فيه المملكة كما نجحت مرارا وتكرارا أمام تحديات أخرى لم تكن أقل صعوبة.

*باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@