-A +A
محمد آل سلطان
لم تبق دابة في الأرض ولا في السماء إلا ركبها الأتراك لأجل الإضرار بالرياض، لقد ركبوا أعلى ما في خيلهم للوصول لقمة جبل طويق، وكالعادة يسقطون من على ظهور خيولهم بمجرد أن يسرجوها بطريقة كوميدية.. دخلوا على خطة الأزمة في قطر وعرضوا على «الرياض» أن يفتحوا قاعدة عسكرية فيها صعقتهم «الدرعية» كالعادة بأن قواتها العسكرية في أتم جاهزيتها لدرجة أن طائرتها تربض في القواعد التركية لمساعدتها في محاربة الإرهاب. ذرعوا البحر طولاً وعرضاً ووصلوا إلى جزيرة «سواكن» لعل وعسى أن يتراءى لهم حلم بددته «الدرعية» في ذاك الزمان بالسيوف والرماح وبنادق البارود وبقلوب شجاعة وجباه لم تعرف الذل ولا الركوع إلا لخالقها..

العثمانية الجديدة كسابقتها لديها عقدة تاريخية من العرب وتيجانها وعمائمها ولم تنس يوماً أن «الدرعية» هي من عقدت اللواء وشدت العمامة العربية وتمنطقت بالسيف «الأجرب» وثبتت تاج الملك العربي وأعادت له صولجانه واعتباره ولسانه بعد غياب ورحلة جهل وتجهيل امتدت لقرون طويلة على حساب ثقافة وحضارة عربية تم وأدها عن سبق إصرار وترصد عنصري مقيت بعد أن أنارت العالم أجمع في زمانها ودخل في كنفها وتسامحها الأتراك وغيرهم من الأمم.

البازار التركي ظهر في الأشهر الأخيرة بأسوأ وأبشع صورة لتاجر بليد لديه بضاعة مزجاة أراد أن يسوقها بشكل هستيري في أسواق باريس وبرلين ولندن وواشنطن ولتعاسته وحمقه أصبح يعرضها حتى في يوم احتفالات النصر وعلى موائد يُشرب فيها نخب الانتصار على ذكرى دفن «الرجل المريض»، توسل للجميع وأثار سخريتهم من فضوله وطفوليته المزعجة وعاد بخفي حنين يحملهما على ظهره.

الرياض بدورها تعرف مركزيتها في العالم العربي والإسلامي وهي عاصمة «صبورة» تقدم حسن الظن ولديها مسؤولية الحفاظ على رباط الأخوة الإسلامية ألا يمزقها أمثال الحمقى القابعين في أنقرة وإسطنبول، وحسن الظن له ميزتان الأولى أنه يستنفد لك كل الأعذار والثانية أنه يخدع الحمقى ويجعلهم يتمادون في كشف سوء نيتهم وخبث طويتهم حتى يوسعوا الحفرة التي سيسقطون فيها لا محالة!

ما حدث في القنصلية السعودية في إسطنبول حادث وجريمة بشعة لا تمثل عقيدة المملكة السياسية والأمنية في التعامل حتى مع أشد أعدائها، والدول العاقلة والكبيرة كالمملكة تجرم أي أحداث خارجة عن السيطرة أو فيها إساءة لاستخدام السلطة وتحاسب مقترفيها مهما علت مراتبهم وكانت مكانتهم، وليست كغيرها من الدول التي تعتقل وتقتل الآلاف ويمثل هذا العمل عندها جزءاً لا يتجزأ من تركيبتها السياسية والأمنية، ولذلك توعد السعوديون بدءاً من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده حفظهم الله ومعهم أفراد الشعب السعودي وكافة أجهزة الدولة المعنية كل المتورطين بالعقاب والقضاء العادل الذي جربه السعوديون وغيرهم في كل ما يخص المملكة وشؤونها، ولكن هذا لم يتوقعه «ممثلو حزب العدالة التركي الحاكم» بل جن جنونهم وشعروا أن فيلمهم ومسلسلهم الطويل احترق عندما بدأت السعودية تحقيقاتها وتنفيذ إجراءاتها العدلية والأمنية كقضية جنائية سعودية خالصة تسير مجرياتها وفق القانون والقضاء السعودي، ولذلك هم يكبرون ويوسعون «حفرة» تسييس القضية الجنائية التي طلبت فيها النيابة السعودية كل أصول الأدلة التي يدعيها الأتراك إذا كان لديهم ما يفيد في مجرى التحقيقات وصولاً للعدالة الناجزة في حق قتلة مواطنها جمال خاشقجي رحمه الله.. وهنا مربط الفرس وحفرة التسييس الذي سيقع فيها الكثير ممن يدعون العدالة وهم أسوأ من يمثلها!

ولو نفد صبر الرياض لساعة وهي الخبيرة والثقيلة في شؤون السياسة واستصدار القرارات الدولية الأممية لربما كانت الأقدر بعد أن تنهي ملف القضية الجنائي وتعطي لأصحاب الحق والدم حقهم الشرعي أن تورط «تركيا» في جرائم دولية لا قبل لها بها لأن كل المؤشرات تشي بأن هناك جريمة دولية معتبرة في التجسس والتنصت على البعثات الديبلوماسية واستغلالها لتسهيل والمشاركة في وقوع جرائم جنائية كان يمكن للسلطات في تركيا منعها أو الإبلاغ عنها قبل وقوعها وعندها ستنكشف خيوط الكذبة «التكنولوجية» التي سربتها السلطات التركية عن ساعة أبل، وسينماع عندها وجه الكذب لينكشف عن قتلة آخرين لا يقلون بشاعة عن الأفراد المنفذين للجريمة!

لو نفد صبر الرياض، بسهولة ستستطيع إيقاع جميع من حفر حفرة «التسييس» في قعر عميق وبضربة واحدة تمتد من التجسس على القنصلية السعودية في تركيا والمشاركة في جريمة قتل ومنع أدلة تساهم في تحقيق العدالة ووصولاً إلى التبادل النفطي والتجاري القائم مع «داعش» على الحدود التركية السورية العراقية، ولكن الرياض عكس «أنقرة» لا تريد الإضرار بالعلاقات بين دولتين إسلاميتين كبيرتين وستحافظ عليها بقدر ما يحافظ الأتراك على هذه العلاقة، ويتوقفون عن تصريحاتهم وأجندتهم الحمقاء واختبار «صبر» الرياض، لأنني أتوقع أنه ربما ينفد قريباً!

* كاتب سعودي