-A +A
محمد آل سلطان
في السياسة الحقيقة الثابتة الوحيدة هي الجغرافيا بينما تتبدل وتتغير بقية العوامل حسب المصالح والمتغيرات الجيوسياسية، الجغرافيا دائماً ما تذكّر السياسي وغيره بأنها هي الثابت الذي لا يتبدل مع الزمن ولا يتغير، وقد تحمل الجغرافيا تكثيفاً روحياً أو فلسفياً إذا تضافرت مع عامل الزمن وتوحد الزمان المتغير والمكان الثابت باتجاه بقعة ما على وجه الأرض!

ولذلك لا شيء يغيظ أعداء السعودية من اقتراب موسم الحج إلى مكة والمشاعر المقدسة لأنه يذكرهم بحقيقة مؤلمة بالنسبة لهم وهي أن السعودية مهما حاولوا وتربصوا وصنعوا المكائد ستبقى وتظل هي قلب العالم العربي والإسلامي ومهوى أفئدة المسلمين في كل بقاع الأرض وقارات العالم، هكذا تشير الجغرافيا دائماً، وهكذا تفصح للذين يتناسون للحظة واحدة حقائقها الثابتة.

هذا الموسم السنوي الذي يمثل الركن الخامس لما يقارب من ملياري مسلم على وجه الأرض، يتجلى فيه دائماً الاقتدار السعودي على خدمة ما يقارب 3 ملايين حاج في مساحة 3 كلم مربع يترددون جيئة وذهاباً لتنفيذ مناسكهم وتقدم لهم كافة الخدمات الأمنية والغذائية والطبية والبلدية ... الخ هو إعجاز واختيار إلهي لهذه الدولة المباركة التي يتنافس فيها الشعب مع الحكومة لتيسير وتقديم كافة الخدمات المجانية للقادمين إلى المملكة لا كزوار أو سياح بل كضيوف منحهم الرحمن لنا اختياراً واستحقاقاً لخدمتهم والسعي على راحتهم..

الحج في رأيي وعلى سبيل الاستشهاد لا التشبيه هو كأس العالم الأكبر الذي تنظمه المملكة العربية السعودية كل عام بفخر واستهلال لاستقبال القادمين إليها وخدمتهم بشكل لا يقارن مع غيره ولا مع أي تظاهرة عالمية مدفوعة الثمن ومفتوحة الزمن والحرية الشخصية في تنقلات وخيارات الزوار.

فالرعاية الأبوية التي يحظى بها الحجاج لا تقارن مع غيرها منذ وصولهم لمنافذ المملكة وحتى مغادرتهم بدءاً من تقديم التطعيمات والأمصال الطبية لهم في صالات الفرز، ومروراً بتأمين الخدمات الإسكانية والغذائية والنقل في مساحات ومسافات ضيقة وحتى مغادرتهم وهم يحملون أسمى المشاعر وشربة من ماء زمزم ونسخة من المصحف الكريم..

وقد يكون من حسن المفارقة لبيان الاقتدار السعودي على التنظيم وحسن الرفادة والوفادة أن موسم حج 2018 في مكة المكرمة بكل ما يحمله من معان دينية وروحية سامية سبقته تظاهرة عالمية أخرى قبل ما يقارب الشهرين وهو كأس العالم 2018 في روسيا، هذه التظاهرة تتكرر كل أربع سنوات في دولة ما يتم اختيارها قبل 12 عاماً تقريباً من موعد التنظيم لتكون جاهزة مستعدة لهذا الحدث وتجند لذلك كافة طاقاتها بينما في مكة تستضيف الحكومة السعودية موسم الحج كل عام بكل معانيه الدينية وتوقيتاته الزمنية التي لا تحتمل الخطأ اليسير وتفخر بأنها تقدم هذه الخدمات للمسلمين من كل فج عميق.

وتقول الأرقام والإحصاءات أن عدد القادمين إلى روسيا من خارجها في كأس العالم الماضية في كل المدن التي استضافت مباريات البطولة على رقعة جغرافية واسعة كان ما بين 500-650 ألف زائر وقادم من خارج روسيا استعدت لوصولهم وإقامتهم دولة عظمى مثل روسيا منذ 12 عاما تقريباً، بينما تقول آخر الإحصاءات المقدمة من الجهات المسؤولة عن الحج إن عدد الحجاج القادمين إلى مكة المكرمة وصل إلى مليون و700 ألف حاج؛ بمعنى أننا إزاء عدد يصل إلى ثلاثة أضعاف عدد القادمين إلى روسيا بأكملها طوال شهر كامل ينفذون واجباتهم الدينية في مساحة محدودة ووفق تنقلات وتوقيتات مضبوطة في أيام معدودة.

هذا الاقتدار على التنظيم والترحيب بزوار البيت الحرام شعباً وحكومة هو ما يجعل الواهمين والموهومين يتميزون غيظاً ويموتون كمداً لأنك قد تستطيع أن تزوّر التاريخ وتلعب بالمصالح وتكذب في الإعلام وترقص في سوق النخاسة السياسي ولكن الجغرافيا تكذبك دائماً وتشير بأصبعها إلى أن السعودية كانت وما زالت وستبقى بإذن الله قلباً نابضاً للعالم العربي والإسلامي.

* كاتب سعودي