-A +A
وفاء الرشيد
كانت لي صولات وجولات مع رؤساء صفحات الرأي التي كتبت فيها بين صحف الوطن والحياة والشرق.. كان بينهم من آمن بقلمي ودعمني، وفي ظروف أخرى حماني من الرقيب، وكان الآخر منهم من كان مقصاً عليّ ورقيباً أشد من الرقيب.

من يقرر من نكتب في الصحافة؟ ومن يقرر ما هو السقف؟ وهل فعلاً هناك سقف للرقيب محدد؟

داخل كل صاحب رأي (يكتب بضمير) يسكن هناك صراع إنساني فطري بين الخوف من القوى العليا وقول الحقيقة، والتي هي أسمى القيم الإنسانية، لإنصاف من لا صوت له وإبراز معاناة العناصر الأقل حظاً في المجتمع.. ومن جهة أخرى الكشف ولفت النظر للممارسات غير القانونية لمن يملك سلطة وأساء استخدامها سواء سراً أو جهراً. فعين الرقيب وقلم صاحب الرأي مهمان في حماية الوطن من العابثين بمقدراته والمنافقين.

من يفوز في مثل هذا الصراع الأزلي؟ الصراع بين القلم الذي يسطر رأيه والمسؤول والرقيب الذي يخاف المغامرة بنفسه من أجل قلم؟ ويخاف أن يسكت ويخسر وطناً.. الصراع بين الصحافة واللاصحافة! الصراع بين الحق وتزيين الحق وفي أحوال أخرى تزييفه! فإذا كان بوسع الجهات الرسمية أن تقول لنا ما بوسعنا أن نكتبه وننشره، وما لا يمكننا نشره، فلا قيمة للصحافة! ووسط هذه الأرض المحاطة بالألغام يبرز دور القلم الذكي ومسؤول صفحة الرأي العبقري ورئيس التحرير الناجح الذي يقود الركب بهدوء بناء بلا ضوضاء..

لا قيمة لقلم في رأيي المتواضع ينقل لنا أحداثاً نعرفها ويكرر سطوراً حفظناها ولا يملك رأياً يفكك ومن ثم يحلل ويخرج بنتيجة للقارئ ومنه إلى صاحب السلطة أينما كانت.. فصاحب القلم جندي خفي يحمي الوطن ويساعد لبنائه كل يوم يخط به سطراً لجمهوره.

لا توجد حكومة قوية اليوم بلا حكم رشيد، ولا حكم رشيدا بلا صدق وشفافية ومحاسبة.. وعندما يحجم دور الصحافة فإننا بصورة أو بأخرى نهدم أهم الأسس التي تصبح بها الدول قوية؛ إذ بات من نافلة القول، ومن الدروس الثابتة في التاريخ، أن الدول التي تمتعت بهذا القدر من الحرية (الحقيقية) للنشر والتعبير، هي التي حازت في النهاية على عناصر القوة على تباين مظاهرها.

فنحن اليوم بدولة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أطال الله في عمره وأبقاه وولي عهده الحبيب صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، نعيش نهضة جديدة تحتفل بالحرية والشفافية والعدل، دولة وعدت وأوفت بوعودها أمام شعبها في سنوات قصيرة عشناها بالرغم من أنه ما زال أمامنا الكثير من التحديات للعبور لأرض النجاح، ولكن وسط هذا الزخم الكبير من التغيرات الجذرية.. فقد أصبح من الملحّ والملحّ أن تبقى الصحافة هي علم أحمر يرفع أمام كل من يستخف بهذا الوطن ومواطنيه.

المهمة الحقيقية للصحافة هي أن تقول ما يريده الناس، وأن تعبر عن حقوقهم وأن تصل المعلومة الحقيقية لهم بلا تجميل، وأن تكون بذلك ذراعاً مهمة في الأمن القومي للأوطان في الكشف عن اللامكشوف وقول ما لا يقال داخل الدهاليز المقفلة.

أعان الله الوطن والمواطن وكل رئيس تحرير ومسؤول صفحة رأي وصاحب قلم في إرسال كل رسالة لم تصل.. من أجل الحقيقة ومن أجل الوطن... فلطفاً بنا أيها الرقيب.

* كاتبة سعودية

WwaaffaaA@