-A +A
محمد آل سلطان
السعودية بشعبها وقوتها ومركزيتها في العالم العربي والإسلامي وباتساع حدودها ومنافذها بين قارات العالم القديم، وبما حباها الله من تنوع في الثروات والموارد الطبيعية والمناخ والتضاريس دولة عملاقة وبمواصفات قارة، وهي في غنى عن الاحتياج لأي دولة لو أرادت أن تنكفئ على نفسها وتنظر لمصالحها فقط، وتعقد صفقاتها السياسية والاقتصادية وفق هذه المصالح.. !

وعبر التاريخ السياسي الحديث في المنطقة كثيراً ما عرض على السياسي السعودي في الدوائر المغلقة والمفتوحة اقتسام الصفقات والنفوذ بالشكل الذي يجعل السعودية تتخلى عن مبادئها في الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، ولو تقدمت السعودية باتجاههم شبراً لتقدموا باتجاهها أميالاً ولكنها لا تبيع في سوق النخاسة السياسية مبادئها ولا أشقاءها. ولأن السعودية دولة مبدأ وقرار كانت وما زالت مواقفها شوكة الميزان التي ترجح دائماً في اتجاه ما تربت عليه السياسة السعودية من مبادئ وأخلاق جسدتها مواقف قيادات المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز ومروراً بأبنائه الملوك، رحمهم الله، سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله وحتى عهد الملك سلمان حفظه الله.. مواقف أخلاقية ومبدئية كثيرة جسدتها أضابير السياسة العالمية لقادات السعودية باتجاه القضايا الخليجية والعربية والإسلامية.

وإذا كانت المبادئ تحكم مواقف السعودية في المنطقة فإن ما يحكمها مع دول الخليج تحديداً أكبر من العلاقات الأخوية والشعبية بين أبناء النسيج الواحد في الدول الخليجية المتناثرة على ضفاف الخليج هي علاقة أشبه بعلاقة الأخ الأكبر مع بقية إخوته وإن بعدوا وطالت بهم الشقة شرقاً أو غرباً فإنه لا ولن يتخلى عنهم عندما تحين ساعة الخطر في منطقة ظلت عبر عقود على صفيح ساخن..!

السعودية تعرف أن في بعض أشقائها في الخليج شقاوة تجعل بعضهم يلعب ألعاباً خطيرة قد تنفجر في أيديهم في أي لحظة، ولهذا فهي تصبر عليهم أحياناً لكنها لن تسمح لهذه الألعاب أن تنفجر في أيديهم أو يلعبوا بها مرة أخرى إلا من أبى واستكبر فليتحمل وزر ألعابه !

والخليجيون في ذات الوقت لديهم معرفة يقينية وغريزة فطرية أنهم مهما تشاقوا فإن السعودية تبقى في ظهرهم ولن تتخلى عنهم في ساعة الصفر، وهذا وإن كان في حد ذاته شعورا أبويا جميلا يحكم علاقة الأب بأبنائه أو الأخ الأكبر بأشقائه الصغار إلا أنه يحمل في ذاته مشكلة كبرى وهي أن يظن الأخ الصغير أن دعم أخيه الأكبر غنم بلا غرم وشيك على بياض لا يتوجب فيه أن يدفع الأبناء والإخوة الصغار أي التزامات تجاه العائلة الكبيرة نفسها، بمعنى أنه يظن أن طيشه سيمر بلا عواقب على مدى الدهر والسنين !

كما أن السعوديين الآن في مرحلة فرز مواقف وتمحيص باتجاه مواقف المنظومة الخليجية التي تنتمي إليها وتتحمل غرمها بلا غنم وتدفع أكلافها مقدماً وعلى بياض ! وحسبما يدور في السياسة الدولية والإقليمية فإن المنطقة مقبلة على رياح عاتية يتوجب فيها على السعودية قبل أن تتخذ موقفاً وتبني إستراتيجيتها القادمة أن تتأكد من مدى صلاحية هذه المنظومة واستعدادها للوفاء بالتزامات ومبادئ المجال الجيوستراتيجي للخليج والشرق الأوسط عموماً، فلا وقت لدينا الآن لممارسة التغابي والألعاب الخطرة بأيدي بعض أفراد الأسرة الخليجية، فقد حانت الساعة لفرز المواقف بعد أن استنفد التغاضي زمنه وفرصته !

السعودية لن تجبر أحداً على أن يكون معها وهي في غنى عن ذلك، كما أن الآخرين ليسوا في غنى عنها، ولكنها لن ترضى في هذه المرحلة بالذات بالمواقف المائعة، فعلى الجميع أن يختار وهو في الأخير حر ومسؤول عن اختياره، ولن يكون له مغنم أو رصيد إلا بحسب مواقفه في حسابات فرز المواقف وتمحيصها، فالحياد في المبادئ انحياز ضدها لن نقبله ولن يمر علينا بسهولة !