-A +A
عزيزة المانع
يختلف الناس في ردود أفعالهم تجاه ما يصدمون به من مواقف تؤذيهم وتثير حنقهم، هناك من ينفعل وينفجر غاضبا وربما بطش بمن أغاظه وقد ينتهي به بطشه إلى الندم. وهناك من يضبط أعصابه فيكتم غيظه بخبث لكنه لا يتسامح قط، فيظل يتحين لحظة الانتقام المناسبة لينفس عن غضبه. وهناك من يجنح إلى الخديعة فيبدي التسامح ويوهم بالتغاضي لكنه يسوس الأمور بمكر حتى يبلغ ما يريد.

والدول في سياساتها مع بعضها بعضا، لا تختلف كثيرا عن الأفراد في ردود أفعالها تجاه ما يعترضها من مواقف تؤذيها وتثير غضبها.

هناك دول تطيش مع انفعالاتها فتهيج وتغضب وتزبد وترعد وقد تبطش بمن آذاها بلا هوادة، وهي تستند في ذلك إلى ما لديها من قوة تحتمي بها فلا يضيرها كثيرا تطرفها الانفعالي. رد الفعل الانفعالي ليس مقصورا على الدول القوية، أحيانا حتى الدول التي لا تملك القوة، تعجز عن التحكم في ضبط انفعالاتها فتنساق مع رد فعل متطرف متى أطبق عليها الغيظ والحنق، لكنها غالبا ترتد عاقبة انفعالها وبالا عليها فتدرك بعد فوات الأوان أن الانسياق وراء الانفعالات ليس سوى حماقة وخرق.

في المقابل، هناك دول تدرك ضعفها فتجتهد في ضبط انفعالاتها، ومتى تعرضت لأذى كان رد فعلها التغافل وترك الطلقة تمر بصمت. ودول أخرى تصرف انفعالاتها عبر الخبث فتتعمد تحاشي مواجهة الأذى وجها لوجه، وتركن إلى ممارسة الخديعة، فتبدي الصمت حتى لتظنها مستسلمة أو غافلة، بينما هي تعمل في الخفاء على إيجاد ما يمكنها من الانتقام.

ردود الفعل الانفعالية غير المدروسة، أبعد ما تكون عن تحقيق الغايات، سواء كانت ردود فعل صادرة عن أفراد أو عن دول، فالاندفاع نحو مهاجمة من يسيء إليك دون التبصر بما بينكما من فروق في الحجم أو بما لدى كل منكما من قوة، هو نوع من المجازفة غير مضمونة العاقبة، فالعقل يشير دائما بأن يكون رد الفعل وفق مقتضى الحال، لا وفق ما يدعو إليه الانفعال.

التباهي بقوة غير موجودة، أو بشجاعة لا تدعمها قوة، غالبا ما تكون عاقبته الهلاك.

ولعل كثرة ما يحدث من الناس من ردود أفعال انفعالية هي ما دفع الشاعر إلى تحذير الانفعاليين من الاندفاع وراء انفعالاتهم مرددا على أسماعهم نصيحته الثمينة:

قدر لرجلك قبل الخطو موضعها... فمن علا زلقا عن غرة زلجا.

نصيحة صادقة، يعترف بصدقها كثيرون لكنهم في لحظات الانفعال، سرعان ما يشطبون عليها.

azman3075@gmail.com